فلا نامت أعين الجبناء
عوض بن حاسوم الدرمكي
في 30 سبتمبر 1938 في قاعة تابعة للرايخ بمدينة ميونخ، كان يجلس على طرفها بكبرياء وثقة أدولف هتلر وبجانبه بينيتو موسوليني، وعلى الطرف الآخر بأعينٍ مرتبكة نيفيل تشامبرلين رئيس وزراء بريطانيا، وإدوارد دالادييه رئيس وزراء فرنسا، بعد أن اجتاح هتلر النمسا واحتلّها وطالب بمنطقة السوديت في تشيكوسلوفاكيا.
والتي منحها تشامبرلين دون وجه حق له مقابل سلامٍ مزعوم، وعاد إلى لندن لتستقبله الجماهير المحتشدة وهو يقول جملته الشهيرة: «لقد حصلنا على السلام في عصرنا»، لكن لم تمر أسابيع قلائل حتى كان هتلر يحتل باقي تشيكوسلوفاكيا ويغزو بولندا!
حينها عرف العالم أن السلام مع المعتدي هو جبن ورضوخ وتقبّل للإذلال، وأن المواقف الرمادية والمثاليات البائسة لا تُعيد حقّاً ولا تردّ عدواً صائلاً، فخرج من بين الجموع ونستون تشرشل الذي رفض السلام الذي عرضه هتلر مقابل استسلام بريطانيا أمامه، وقال كما يقول الرجال:
«سنُقاتِل على الشواطئ.. سنقاتِل في الحقول.. سنقاتل في الشوارع.. سنقاتل في الجبال.. لكننا لن نستسلم أبداً»، وكان هذا الموقف «الرجولي» هو ما أنقذ أوروبا من السقوط أمام النازية والفاشية!
التاريخ لا يحترم الجبان، ولا يُقدِّر المذعور، ولا يأبه لتبريرات الخائف، فالجبن جُبن ولو قيل ضبط نفس، والذعر ذعر ولو قيل دبلوماسية متزنة، والعدو الذي يسعى لدمارك ولا تتوقف وسائل عدوانه عليك ليل نهار، لم يأتِك حاملاً باقة زهور، بل أتاك يحمل الموت والخراب، وكلما رأى من الطرف الآخر تردداً وارتباكاً وتناقض تصريحات و«تنافض» رُكَب، أمعن في العدوان أكثر، وسعى في تدمير المعنويات أكثر من تدمير المنشآت!
المواقف الرمادية والعزائم الخائرة والأصابع المرتعشة لن يستر عورتها قصائد المديح أو «ترقيعات» من يدّعون أنهم محللون سياسيون، ولن يزيل هشاشة الوقفة محاولة التهجّم على الآخرين في معارك كلامية لا يبدو أن ذلك الطرف يجيد الانتصار إلا بها!
لقد كشفت أزمة العدوان الإيراني الدنيء على دول الخليج عن معادن الجميع، فعرفنا الصديق وعرفنا العدو، وكشفنا من يتمنى لنا الخير وذاك الذي يفرح بمصابنا، وملأنا عيوننا بالرجال ووقفاتهم، ونفضنا أيدينا من أسود الشاشات وبائعي الكلام.
وبقدر ما كانت بعض الحقائق الـمُكتَشَفة مؤلمة وصادمة، إلا أنّها كانت ضرورية لكشف كل الأقنعة، ومعرفة من يستحق الرهان على صداقته ومن يتربّص بنا كل شر، وإدراك من يصدق فعله قوله، مِن ذاك الذي يقول شيئاً ويفعل خلافه، ويدّعي أمراً ويسير بنقيضه!
إن الأُمم تبني هويتها على الكرامة، وتؤسس كيانها على العزة، فالذل لا يقيم صرحاً، والتردد لا يحمي دولة، وسياسات ضبط النفس لا تحفظ سيادة، فالشجاع يرهبه العدو وإنْ كان أقل قوة، لأن العدو يعلم أن مواجهته ليست سهلة.
ولم يسبق أبداً طيلة تاريخ البشرية الممتد أن قامت أُمّةٌ عظيمة ببناء نفسها على سياسات الاستسلام وذهنية الخضوع، ولم توجد دولة محترمة حافظت على سيادتها وتقدير العالَم لها بطلبات التهدئة وضبط النفس والتنازلات التي حين تبدأ فلا قعر لها، بل لا تأتي إلا بمزيد من الإذلال والإهانة وتأليب صغار الخفافيش عليها!
إنّ العدو لا ينظر لقوة الطرف الآخر العسكرية فقط، بل «يجسّ نبض» الإرادة وعدم الانكسار، فهو يعيد حساباته أمام أولئك الذين يفضلون الموت وقوفاً وهم يناضلون دفاعاً عن بلادهم وأراضيهم وأعراضهم، عن أولئك الذين امتهنوا الركوع ودَرَجوا على المواقف الرمادية من أجل العيش والمحافظة على المسميات والألقاب الرنانة!
عام 480 ق.م قاد خشايارشا الأول جحافل هادرة من «عِرْق الشر» الفارسي لإخضاع اليونان بعد هزيمة والده داريوس في معركة ماراثون، فهذا العِرق يحمل ذهنية الدمار في جيناته وهو ما أثبتته روايات التاريخ البشري الطويل، فتصدى لهم عدد قليل من جنود اليونان يقودهم ليونيداس الأول ملك إسبارطة ومعه 300 من محاربي النخبة الملكية الإسبارطية، وترصّدوا لهم في ممر ثيرموبيلي الضيق.
ورغم الفارق الهائل جداً بين عدد الجيشين إلا أن شجاعة الإسبارطيين وثباتهم حتى أبيدوا عن بكرة أبيهم بقيت قصة ملهمة تتناقلها الأجيال هناك، عن أهمية العزة والكرامة في تاريخ الأُمم، وأنّ أصحاب المواقف الرمادية والأضلاع المرتعشة لن يذكرهم التاريخ إلا في أوضع صفحاته، يروي هيرودوت أنّ المحارب دينيكيس عندما وصلت معلومة التهديد بأن سهام جحافل الفرس الهائلة ستحجب الشمس لكثرتها، قال: «هذا رائع، سنقاتِل في الظل»!
مقال للكاتب: عوض بن حاسوم الدرمكي في صحيفة البيان.



