
عندما يستيقظ أحدنا فإنه يجد عدة إشعارات من مواقع التواصل الاجتماعي، وإن لم يكن مفعّلاً للإشعارات، يمكنه مشاهدة نفس السيل المعلوماتي عند تصفح شبكة الإنترنت، وهي تحمل أخباراً، ومواضيع، وأحاديث عن نجاحات وتفوق وتميز الآخرين، وصوراً لا تتوقف وكلمات إشادة لا تنتهي، تتناول رحلات، وترقيات، وفوزاً لهذا أو ذاك.
والسؤال يرتد على النفس: ماذا عني؟ أين أنا؟ لماذا لم أحقق أيّاً من تلك المنجزات، أو ما يقترب منها؟ تساؤلات عديدة وكثيرة تؤنّب النفس، وتشعرك بالتقصير وتواضع ما أنجزته. وهذا الشعور يشبه الحقيقة، فالعالم الرقمي تجاوز مفهومنا الاعتيادي عن النجاح عندما وضع معياراً جديداً وهو: النجاح المطلق والمبكر والمستمر -إذا صحت التسمية- وهذا المتطلب الجديد سبّب قلقاً وهمّاً وتوتراً عند كثير من الناس الذين حققوا منجزات لكنهم شعروا بأن منجزاتهم متواضعة أمام ما يرونه على شاشات مواقع التواصل الاجتماعي.
فالذي يحدث حالة من المقارنة غير العادلة، يتم ربطها بين الحياة الواقعية التي يعيشها بعض الناس مع حياة الآخرين المثالية التي تظهر لنا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يظهر أنهم حققوا منجزات كبيرة وعديدة في غضون سنوات قليلة، وهم الآن على أعلى الهرم، بينما الآخرون تعبوا وبذلوا كل الجهد والطاقة لتحقيق منجز أو نجاح ما، وأمام كل ما يُشاهد من نجاحات على مواقع التواصل الاجتماعي يضمحلّ أي نجاح آخر، بل يصبح وكأنه منجز اعتيادي.
قبل نحو عقدين من الزمن، كانت تنحصر المقارنات في الحي، أو المدرسة، أو العائلة. أما في عصر المعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي، على اختلافها، فالوضع والحال مختلف تماماً؛ شباب في مقتبل العمر يقارنون أنفسهم بمئات من أناس لا يعرفون حقيقتهم، ولا حقيقة ما يصورونه وما يبثونه، ويقارنون من الجانب المادي فقط بأن هذا هو النجاح المطلق والنهائي، والقياس يتمثل في الماركات التي تُعرض والسيارات الفارهة ونحوها.
أعتقد أن علينا كأمهات وآباء ومعلمين ومربين دوراً كبيراً في زيادة الوعي لأبنائنا، وزيادة معرفتهم بطبيعة مواقع التواصل الاجتماعي، وحجم التزوير الهائل فيها، فضلاً عن عدم إدخال أنفسهم في مقارنات، والانشغال بتطوير أنفسهم وقدراتهم، وعدم الالتفات للآخرين. يجب صبّ الجهد على الحماية من خلال تنمية الوعي، وزيادة المعرفة، لا من خلال المنع والتحذير، فالمعرفة والفهم هما الركيزة التي يمكن الاعتماد عليها بشكل آنيّ ومستقبلي…



