
صدق أو لا تصدق، لكن بعض القصص تُكتب بهدوء قبل أن يكتشفها العالم. تبقى نائمة في زاوية بعيدة، تنتظر لحظة تكشف معناها. وقصة ليونيل ميسي ولامين يامال واحدة من تلك الحكايات التي يصعب تصديقها، لأنها تجمع بين الصدفة والقدر، وبين البراءة والعظمة.
هناك قصص تبدأ تحت الأضواء، وأخرى تولد في أماكن لا يتوقع أحد أن يلتفت إليها التاريخ. وقصة ميسي ويامال تنتمي إلى النوع الثاني؛ حكاية خرجت من مخيم خيري بسيط، وحُملت بصمت عبر تسعة عشر عاماً، قبل أن تعود إلى السطح في لحظة كروية لا تُنسى.
كان ميسي شاباً آنذاك، موهبة صاعدة بابتسامة خجولة ومستقبل يلمع في الأفق. زار المخيم ضمن برنامج مجتمعي، لا بحثاً عن كاميرات أو شهرة، بل لأن الطيبة كانت جزءاً من تكوينه. كان المكان بسيطاً: خيام مؤقتة، عائلات تنتظر المساعدة، متطوعون يوزعون الطعام، وأطفال يركضون حفاة فوق تراب الأرض. مشهد مثقل بالحياة، لكنه مليء بالأمل.
وسط ذلك المشهد وقفت أم شابة تحمل طفلها الرضيع. لم تكن تعلم أن القدر على وشك أن يضع طفلها في إطار واحد مع أسطورة قادمة. اقترب ميسي، صافح الأطفال، حمل الصغار، ووزّع ابتسامات صادقة. وعندما طلبت الأم صورة، انحنى ميسي ولمس يد الطفل الصغيرة. نظر الرضيع — لامين يامال — بعينيه الواسعتين، غير مدرك للرجل بجانبه، ولا للعالم، ولا أن القدر كتب لتوّه السطر الأول من قصة ستحتاج سنوات طويلة لتكتمل.
التُقطت صورة واحدة. مجرد لقطة عابرة. لكنها كانت بذرة معجزة متنكرة في هيئة صدفة.
لم يكن أحد ليتخيل أن ذلك الطفل سيصبح واحداً من أكثر المواهب إثارة في جيله. ولم يكن أحد يتوقع أن الرجل بجانبه — الذي كان يحمل بذور العظمة — سيواجهه يوماً فوق أرض الملعب، لا كمعجب ولا كقدوة، بل كندّ حقيقي. نُسي المخيم الخيري، لكن القدر لا ينسى. يحتفظ باللحظات، وينتظر الوقت المناسب ليكشف معناها.
مرّت تسعة عشر سنة.
كبر الرضيع ليصبح لامين يامال — لاعباً جريئاً، سلساً، وموهوباً بقدم يسرى تحمل صدى الرجل الذي التقى به دون أن يدري. وأصبح ميسي أيقونة عالمية، رمزاً للإتقان، ولاعباً يمتد إرثه عبر القارات والأجيال. ثم، في يوم واحد سيبقى في الذاكرة طويلاً، سيلتقيان من جديد — وهذه المرة في ساحة المعركة الكروية.
سوف ينفجر الملعب يوم الأحد. ستتوهج الكاميرات بلا توقف. سينظر ميسي إلى يامال لا كطفل، بل كقوة صاعدة. وسينظر يامال إلى ميسي لا كأسطورة بعيدة، بل كتحدّ حي أمامه. قدمان يسريان. عصران مختلفان. مصيران يتقاطعان من جديد — هذه المرة بأحذية وعرق وتحدٍّ.
لطالما كانت كرة القدم أكثر من مجرد لعبة. إنها مسرح تكتب فيه الأقدار أكثر فصولها شاعرية. وفي يوم الأحد، ستقدّم الأقدار واحداً من أجمل فصولها. ميسي — الرجل الذي ألهم الملايين — سيواجه الفتى الذي نشأ مُلهماً به. ويامال — الطفل الذي حُمل في مخيم خيري — سيقف مستعداً ليتجاوز الرجل الذي علّق صوره على جدران طفولته.
إنه مشهد مؤثر. سريالي. إنه كرة القدم في أنقى صورها.
بعد سنوات، سيظل الجمهور يتحدث عن هذه اللحظة. سيعرضون الصورة القديمة ثم لقطات المباراة، ويقولون: انظر كيف يعمل القدر. انظر كيف تصنع كرة القدم معجزاتها. لأن ميسي ويامال لن يخوضا مجرد مباراة، بل سيكملان قصة بدأت بالبراءة وانتهت بالعظمة. قصة تذكّرنا أن الزمن دائرة، وأنها — إن حالفنا الحظ — تُغلق بأجمل الطرق.
صورة منسية تحوّلت إلى حكاية لا تُصدَّق.
مخيم خيري أصبح مهد القدر.
ومباراة يوم الأحد ستصبح اللحظة التي تلامس فيها حقبتان — واحدة تسلّم نورها، والأخرى تنهض لتحمله.
الكاتب. عبدالحميد أحمد من صحيفة البيان.



