مقالات

يوم عهد الاتحاد

عارف الشيخ

عهد الاتحاد
في الثامن عشر من يوليو من كل عام، تحتفل الإمارات لماذا؟ لأن هذا اليوم الوليد يذكرنا باليوم المجيد الذي وقعت فيه وثيقة الاتحاد ودستور الدولة وتم خلاله إعلان بيان الاتحاد والاسم الرسمي لدولة الإمارات العربية المتحدة.

 

مثل هذا الخبر عندما يسمعه الأحفاد في هذه الأيام، ربما وقعه كوقع أيّ خبر، عادي لأنهم ما شهدوا ذلك اليوم التاريخي الذي كان لنا بمثابة يوم ميلاد.

 

أمّا أنا وأمثالي من المخضرمين الذين عاشوا فترة الإمارات المتصالحة قبل قيام الدولة، فإننا نعرف قيمة هذا الاتحاد الذي وحّد بين إمارات سبع متفرقة، كانت بالأمس لكل إمارة حاكم مستقل وعلم مستقل، ومساحة جغرافية مستقلة، بل وربما حدود سياسية ضيقة، والدخول والخروج من إمارة إلى إمارة يخضع للتفتيش وختم الجواز.

 

ولم يكن متاحاً للمقيمين آنذاك أن يتنقّلوا بين هذه الإمارات إلا بترتيبات معينة، بخلاف اليوم، حيث إنهم يتنقّلون بكل حرية.

 

نعم ويوم عهد الاتحاد يذكرنا بقائدين عظيمين لم ينجب التاريخ مثلهما، ألا وهما المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم – طيب الله ثراهما- اللذان تحمّلا عناء خلق بيئة مناسبة لإعلان قيام دولة اتحادية.

 

وكانت شخصية الشيخ زايد بن سلطان شخصية قيادية طموحة حيث كان ممثلاً لحاكم أبوظبي في المنطقة الشرقية – العين – لأكثر من عشرين عاماً، وما أن جاء عام 1966، إلّا وقد تولى الحكم في إمارة أبوظبي.

 

لقد رأى الشيخ زايد خلال ما قبل الاتحاد كيف عانت المنطقة حيث لا يوجد ماء حلو للشرب، ولا مورد للدخل سوى ما يجود به البحر وقليل من الزراعة والمواشي. ومع ظهور البترول في أبوظبي، أو مع أول تصدير فعليّ للنفط الخام إلى الأسواق العالمية عام 1962م عبر ميناء داس وميناء جبل الظنة، بدأ الشيخ زايد يستبشر خيراً.

 

ومنذ توليه الحكم وضع خططه الطموحة للتنمية الشاملة في إمارة أبوظبي، ولم يكتف بذلك حتى ذهب هو والشيخ راشد بن سعيد يفكران في إقامة دولة اتحادية تشمل الإمارات السبع والبحرين وقطر، إلا أن الاتحاد التساعي لم ينجح لأسباب، ففكرا في الاتحاد السباعي فلم ينجح في البداية أيضاً.

 

فما كان أمامهما إلا أن يقيما اتحاداً ثنائياً بين أبوظبي ودبي عام 1968م، وما أن جاء عام 1971م إلا والكل اقتنع بالاتحاد.

 

نعم.. في عام 1971م تم التوقيع على وثيقة الاتحاد ودستور دولة الإمارات، وفي الثاني من ديسمبر عام 1971م تم الإعلان عن قيام الاتحاد وكنت أنا يومئذ طالباً في الثانوية بالمدينة المنورة، حيث لم تكن فرص الدراسة في بلادنا متاحة، وكانت المدارس النظامية القليلة الموجودة في تلك الأيام لا تلبي طموحاتنا.

 

وأذكر أن وزارة التربية والتعليم والشباب الإماراتية يوم تسلمت المدارس من اللجنة الكويتية المكلفة برئاسة الأستاذ أحمد السقاف، رحمه الله، كان عدد المدارس النظامية على مستوى الدولة 74 مدرسة، وعدد الطلاب 32862 طالباً وطالبة، وقس على التعليم والصحة والإعلام المؤسسات الخدمية الأخرى، وتميز زايد بأنه كان مهتماً بالريف مثل الحضر، لذلك فإن مراكز محو الأمية ومراكز تعليم الكبار والدراسة المنزلية، كانت منتشرة في كل مناطق الدولة في الحضر والبادية.

 

وكم قدم الشيخ زايد بن سلطان لشعبه من خدمات، وكان يقوم بنفسه بمتابعة المدارس والمستشفيات والوزارات والمؤسسات، واهتمامه بالكبار والصغار والمرأة وكل فئات الشباب، وكان يشجعهم على الزواج من خلال إنشاء صندوق الزواج الذي كان يمنح كل شاب مبلغاً يستعين به على الزواج المبكر.

 

وأجرى للأرامل والمطلقات معاشات شهرية وهي لا تزال مستمرة، ووفر المستشفيات ودور الرعاية والجمعيات النسائية في المدن والبوادي، إيماناً منه بأن العلم نور والعقل السليم في الجسم السليم والعدل أساس الملك، كما شجع على الدراسة في الخارج وتكفل ببعثاتهم وأنا واحد منهم، حيث كنا طلبة في مصر، وكان يزور القاهرة، فيطلبنا ويخصنا بمكرمة في كل زيارة له.

 

أجل قام الشيخ زايد بتخطيط المدن والشوارع بين الإمارات السبع، ووفر المياه واعتنى بالزراعة، وأوصل صوت دولة الإمارات إلى أقصى بلاد العالم، من خلال فتح علاقات دبلوماسية، وزيارات متبادلة، وحضور المنتديات العالمية وعضوية الأمم المتحدة.

 

نظر الشيخ زايد بعين الإنسانية فالكل عنده مكرّم، وبدافع أن العرب أمة واحدة شجع على إقامة مجلس التعاون والاتحاد العربي، وكم أغاث الدول ومنح المساعدات، وأقام مناطق سكنية ومدارس ومستشفيات في العالم باسم دولة الإمارات.

 

أما في الداخل فحدّث ولا حرج، فمن يوم لم تكن عندنا جامعة واحدة حكومية أو خاصة، إلى هذا اليوم حيث نرى شباب العالم يدرسون في جامعات الإمارات، ومرضى العالم يتعالجون في مستشفياتنا، وفتح باب التمكين أمام النساء وسارت لنا أسواق ومراكز تجارية واقتصاد عالمي.

 

نعم.. دولة الإمارات اليوم بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وبمتابعة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ومساندة إخوانهما أصحاب السمو حكام الإمارات، أصبحت تنافس الدول العظمى في الإمكانات والقدرات العلمية والصحية والعسكرية والقضائية، وفي عالم التكنولوجيا، وفي الإنجازات، وفي الذكاء الاصطناعي لها ريادة العالم.

 

لذلك فإننا يحق لنا أن نقول نحن فخورون بدولة الإمارات، وبتلك الشجرة المثمرة التي زرعها زايد، وصار يأكل منها القريب والبعيد، وستبقى مثمرة بفضل جهود أنجاله والمخلصين الذين يسقون شجرة الاتحاد عملاً بوصية الوالد، طيب الله ثراه.

 

حقاً إن دولة الإمارات كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان عنها: «جلدتها غليظة ولحمتها مرة»، و«إننا لفخورون بها» كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عنها، ويشهد العالم على ذلك، حفظ الله الإمارات وقيادتها وشعبها.
مقال للكاتب: عارف الشيخ في صحيفة البيان.
زر الذهاب إلى الأعلى