مقالات
شرطة دبي.. ذكريات لا تمحى

بعض المحطات والأماكن لا تستطيع أن تزيحها من ذاكرتك ولا حتى أن تخرج منها، هذا الأمر طبيعي إذا كنت من رواد هذه الأماكن أو كنت شديد الالتصاق بها.
ولكن الأمر الغريب أن تجمعك بهذه المحطات ذكريات راسخة وأنت لست على تماس مباشر بها، وشرطة دبي التي احتفلت أمس بمرور 70 عاماً على تأسيسها، بالنسبة لي واحدة من هذه المحطات التي لا تغادرني، وستظل راسخة بي ما حييت، رغم عدم وجود تواصل مباشر أو غير مباشر ومن أي نوع بيني وبين هذه المؤسسة الأمنية العريقة.
علاقتي بشرطة دبي علاقة روحية نشأت بسبب ارتباط والدي، رحمه الله، الطويل مع شرطة دبي، كونه كان واحداً من العسكريين المؤسسين، ومن ضمن النواة الأولى لقوة شرطة دبي، حيث حمل آنذاك الرقم العسكري 49، الذي لا يزال مسجلاً باسمه في السجلات الرسمية، عمله الممتد لما يقارب 50 عاماً في السلك الشرطي، قادني لقضاء فترات طويلة من التأمل منذ كنت طفلاً، تأملت الالتزام العسكري.
وتابعت عن قرب الانضباط الذي تولد لديه إثر ارتباطه بهذه المؤسسة الأمنية، التي سعى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم لأن تكون كبيرة منذ وضع لبناتها الأولى.
ما زلت أذكر كيف تعلقت بالبدلة العسكرية وأنا أساعد والدي، رحمه الله، في تلميع الأزرار الذهبية للبدلة، ما زلت أشتم رائحة مادة التلميع تلك، التي استخدمتها في مهمة أتقنتها مع مرور الوقت، كنت أتابعه وهو يغادر قبل بزوغ أشعة الشمس، متجهاً إلى مكان عمله، وأنتظر قدومه ظهراً ليروي لي بعض القصص عن يومه الشاق الممتع، وما كنت أعتبره، وما زلت، عملاً بطولياً مشرفاً، أحببت شخصيته الصارمة أباً، وجديته اللافتة عسكرياً.
احترمت الزي العسكري منذ أن رأيته لأول مرة، ولا يزال ذلك الزي العسكري له احترامه المطلق لدي ولدى سكان الإمارات، فشرطة دبي وبقية مؤسساتنا الشرطية في الدولة، نالت الاحترام والتقدير، ليس لكونها مرتبطة بمسماها الأمني المرعب، القابع في أذهان الكثير من الشعوب الأخرى، بل نالت سمعتها محلياً وعالمياً بسبب نهجها الإنساني وحسّها الأمني، الذي أكسبها المصداقية وغير الصورة النمطية، التي كانت تتردد في أذهان كل من يتعامل مع الشرطة.



