حين نشر الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، أحد أبرز مفكري عصر التنوير، كتابه «العقد الاجتماعي» عام 1762 كان يصوغ فكرة واضحة: الفرد يمنح الدولة ولاءه، والدولة تمنحه الحماية والحقوق. الإمارات تمارس هذا العقد منذ قيام الاتحاد عام 1971.
فكفلت التعليم المجاني للمواطن، وبنت منظومة رعاية صحية شاملة، توّجتها بـ«ثقة» في أبوظبي عام 2008، أحد أشمل برامج التأمين الصحي الحكومي في المنطقة، ومدت العقد إلى العامل الوافد حين أطلقت نظام حماية الأجور عام 2009 أول نظام من نوعه في العالم العربي، وأول تطبيق خليجي لنظام حماية الأجور.
في مايو 2026 جاء قراران اتحاديان يعمقان هذا العقد بلغة جديدة: الأرقام والمواعيد والإنفاذ المؤتمت باعتماد منظومة وطنية متكاملة للتأمين الصحي، تمهد لتوحيد معايير التغطية بين البرامج المحلية القائمة، من «ثقة» في أبوظبي إلى «سعادة» و«عناية» في دبي.
ضمن مظلة وطنية تشمل الإمارات السبع، وأصدرت وزارة الموارد البشرية والتوطين القرار رقم 340 لسنة 2026، الذي يوحّد موعد صرف رواتب القطاع الخاص في اليوم الأول من كل شهر عبر نظام حماية الأجور، ويرفع عتبة الالتزام إلى خمسة وثمانين في المئة.
الوزن الاقتصادي لقرار الأجور يتجاوز بُعده التنظيمي، فنحو تسعين في المئة من القوة العاملة في القطاع الخاص وافدة، فيما يتركّز المواطنون في القطاع العام، والتحويلات المالية الصادرة من الدولة بلغت نحو 214 مليار درهم في 2024 وفق البنك الدولي، وهي من أكبر مصادر التحويلات في العالم، ما يجعل انتظام الرواتب عاملاً مباشراً في استقرار الإنفاق الأسري، ودورة الاستهلاك المحلي، التي تسند اقتصاداً تقوم قطاعاته غير النفطية على الخدمات والتجارة.
بالنسبة لملايين العاملين موعد الراتب نقطة ارتكاز لالتزامات أسرية، تمتد عبر قارات عدة، من أقساط السكن إلى مصاريف التعليم، وتحويلات تعيل أسراً كاملة في بلدان أخرى، وتثبيت الموعد ينقل الإنفاذ من منطق الشكوى الفردية إلى نظام يرصد التأخير، ويتحرك تلقائياً، فتبدأ المتابعة من اليوم الأول.
وتتدرج إلى تعليق تصاريح العمل والغرامات والإحالة للنيابة عند استمرار التأخير، فيقلّص المنازعات، ويخفض المخاطرة في بيئة الأعمال، ويوسّع قاعدة الأجور ضمن القنوات الرسمية في مركز مالي عالمي، ويسهم الحد الأدنى الجديد للأجر في تعزيز التوطين عبر جعل القطاع الخاص خياراً أكثر جاذبية للمواطنين.
القرار الصحي يحمل منطقاً مالياً مكافئاً، فالرعاية الصحية أصبحت أحد أكبر بنود الإنفاق العام في الاقتصادات الحديثة، وكل تحسن في الوقاية والكشف المبكر ينعكس مباشرة على الاستدامة المالية للمنظومة الصحية. في الإمارات بلغ العبء الاقتصادي للسكري وحده نحو 19.5 مليار دولار في 2023، ويتجه إلى 24.7 ملياراً بحلول 2030، وتوجيه المنظومة نحو الطب الوقائي يستهدف هذه الكلفة المتصاعدة قبل أن تتضخم.
وكان السكري وحده قد استحوذ في تقديرات سابقة على نحو 14 في المئة من الإنفاق الصحي في الدولة، وتوحيد التغطية يجمع القدرة الشرائية للدولة في تفاوض واحد، يخفض الكلفة لكل مواطن، ويقلّص ازدواجية الإنفاق.
وقاعدة البيانات الصحية الوطنية الموحدة تتيح تخطيطاً سكانياً دقيقاً وتوظيفاً للذكاء الاصطناعي في إدارة الصحة العامة، وترفع كفاءة قطاع تحوّل إلى ركيزة اقتصادية، تضم شركات وطنية مدرجة وسياحة علاجية متنامية، وتوحيد المعيار يمنح المواطن المستوى ذاته أينما عُولج، ويستبق ارتفاع نسبة كبار السن بين المواطنين في العقود المقبلة بتمويل صحي مستدام.
الدلالة أبعد من القطاعين، فالقطاعات غير النفطية، التي تتجاوز سبعة وسبعين في المئة من الناتج المحلي تقوم على سوق عمل واسع ومستقر، وجاذبية الدولة للكفاءات ورؤوس الأموال تتحدد بجودة الحياة والقدرة على التنبؤ، والقراران ينسجمان مع منهجية حوكمة اعتمدتها الإمارات في ملفات التجارة والصناعة والخدمات الحكومية، تقوم على التوحيد والأتمتة والإجراء المسبق، بما يعزز الاستقرار الداخلي الداعم لمشاريع الدولة الكبرى في الذكاء الاصطناعي والطاقة والدبلوماسية.
ما يجمع القرارين أنهما يحوّلان الحماية الاجتماعية إلى بنية تحتية تُدار بالأرقام والمواعيد ونسب الإنفاذ، فتغدو التزامات الدولة تجاه ساكنيها قابلة للقياس والمساءلة.
قبل أكثر من مئتين وستين عاماً كتب جان جاك روسو عن عقد يربط الفرد بالدولة عبر الحقوق والواجبات، اليوم يُكتب هذا العقد بقواعد بيانات ومؤشرات أداء ومواعيد ملزمة ومنظومات رقمية تتابع التنفيذ، والعقد الاجتماعي حين يصبح قابلاً للقياس يتحول إلى أصل استراتيجي يعزز قوة الدولة واستقرارها، وقدرتها على التخطيط للمستقبل.
مقال للكاتبة: نوفر رمول في صحيفة البيان.