مقالات

قوة الانتماء.. درع من فولاذ

صبحة الراشدي

قوة الانتماء

 

 

كثيراً ما يستهويني القلم في ساعة الفجر، وفي لحظات ما قبل الغروب، فأجد نفسي غارقة في الكتابة، وتستغرق كل اهتمامي عما قد يدور حولي، فأعيش لحظتها في عوالم الحروف والأفكار. وذات يوم، بينما كنت منهمكة في كتابتي، تقدّم نحوي طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره. كان يجلس برفقة والديه على الطاولة المجاورة. اقترب بهدوء، وألقى التحية بأدب، ثم قال:
هل لي أن أسألك سؤالاً؟
ابتسمتُ، فلطالما أحببت أسئلة الأطفال، وقلت له: تفضل.. بكل سرور.. اسْألْ.
جلس وعيناه تتنقلان بين الصحيفة التي بجواري والأوراق المتناثرة على الطاولة. تناول الصحيفة، وقرأ اسمي، ثم قال: أعجبتني كلمة «صوت الوطن»، لكن كيف يكون للوطن صوت؟ وهل للوطن صوت أصلاً؟ وإذا كان له صوت، فكيف يمكنني أن أعبّر عنه؟
ازدادت ابتسامتي، وأحببت فضوله أكثر، فقلت له:
نعم، للوطن صوت، ونعبر عنه في كل مجال من مجالات الحياة، لأن وطننا يتحدث بلغة الإنجازات والنجاحات. فحين ننجز وننجح وننتصر وندافع ونرفع رايته عالياً، فإننا نعبر عن صوتنا وعن عشقنا لهذا الوطن. الجندي في الميدان يعبّر عن صوت الوطن بتضحياته وانتصاراته، والطيار في سماء الوطن، والبحّار في عباب البحر، والطبيب والمعلم والمهندس، كل منهم يحمل رسالة ويؤدي دوراً يختلف في شكله ويتفق في معناه، وهو خدمة الوطن ورفعته.
ثم سألني:
وأنتِ… بماذا تدافعين عن وطنك؟
قلت له: أما أنا فأحرس وطني بالكلمة، وأذود عنه بالحرف، وأجعل من قلمي سيفاً مشرعاً لا يرحم باطلاً، لا يهادن مسيئاً، ولا يتهاون مع من تسوّل له نفسه النيل من أرضه أو المساس بمكانته؛ فالوطن عندي قضية لا تعرف التردد، ومعركة لا تعرف الانكسار.
أشرق وجه الطفل وكأنه يحلّق في عالم ومدى بعيد، وقال:
أتمنى أن أصبح عالماً، لأصنع لوطني درعاً من فولاذ مختلف، أحميه به من كل من قد تسول له نفسه المساس بحبة من تراب أرضه.
نظرت إليه بإعجاب وقلت:
ستصنع، وستعمل، وستنجز، وسنفتخر بك يوماً ما. وقبل أن يغادر، استوقفته قائلة:
انتظر ما اسمك؟
التفت نحوي، وارتسمت على وجهه ابتسامة واثقة، ثم قال: صوت الوطن يا أستاذتي. ومضى.
لحظة تأمل:
حين قال: «أنا صوت الوطن يا أستاذتي»، أدركت أنني أمام وعيٍ وطنيٍّ ناضج يتجاوز عمره بسنوات. ففي كلماته تجلّت ثمار غرس زايد، جيلاً يحمل الانتماء مسؤولية، والعطاء نهجاً، والطموح رسالة، حينها أيقنت أن لهذا الوطن درعاً من فولاذ لا يُكسر بفضل الله ؛ شعباً واعياً، وقيادةً حكيمة، وأبناءً تربّوا على أن الوطن عقيدة والولاء عهد.
وبقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يمضي أبناء الإمارات بعقولٍ تصنع الإنجاز وإرادةٍ لا تعرف المستحيل.

اللهم احفظ الإمارات قيادةً وشعباً، وأدم عليها نعمة الأمن والأمان.

 

مقال للكاتبة: صبحة الراشدي في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى