مقالات

من يدفع ثمن الخراب؟

علي عبيد الهاملي

الخراب

البشر على مدى تاريخهم خاضوا حروباً لا تعد ولا تحصى، بعضها امتد أياماً، وبعضها أسابيع، وبعضها شهوراً، وبعضها عشرات السنين، وهناك حروب امتدت مئات السنين.. انتهت تلك الحروب، وبقي الخراب والدمار الذي خلفته، فمن دفع ثمنه؟

 

في منطقتنا الخليجية، وعلى امتداد الشهور الماضية، شهدت المنطقة موجات متلاحقة من الهجمات التي استهدفت منشآت مدنية وبنية تحتية وممرات ملاحية ومرافق اقتصادية حيوية.

 

وقد دفعت دول الخليج العربية أثماناً باهظة لهذه الهجمات، سواء من حيث الخسائر البشرية، أو الأضرار الاقتصادية، أو كلفة الإجراءات الدفاعية التي اضطرت إلى اتخاذها لحماية أمنها واستقرارها.

الحديث اليوم لم يعد يدور حول وقف التصعيد أو منع تكراره فقط، وإنما حول العدالة أيضاً.. فالعالم كله يعرف أن إعادة بناء ما تهدم تحتاج إلى موارد ضخمة، وأن إصلاح الأضرار التي أصابت بعض المطارات والموانئ ومحطات الطاقة وشبكات الاتصالات والمنشآت المدنية يتطلب سنوات من العمل ومليارات الدولارات..

 

لذلك فإن طرح فكرة استخدام الأموال الإيرانية المجمدة لتعويض المتضررين يفتح الباب أمام نقاش واسع حول مفهوم المسؤولية الدولية، فالقانون الدولي لا يكتفي بإدانة الأفعال التي تتسبب في أضرار للدول الأخرى، وإنما يقر أيضاً مبدأ التعويض عن تلك الأضرار متى ثبتت المسؤولية عنها.

من هنا تأتي الأنباء المتداولة عن خطة لإعادة توجيه الأصول الإيرانية المجمدة نحو تعويض الأضرار التي لحقت بدول المنطقة جراء الهجمات الإيرانية، بوصفها تطوراً يتجاوز الجانب المالي إلى أبعاد سياسية وقانونية واستراتيجية عميقة.

 

وقد وجه وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، فريقاً مختصاً لإعداد تقييم شامل للأضرار التي تكبدتها دول المنطقة منذ بدء التصعيد، وإذا مضت واشنطن فعلاً في هذا الاتجاه، فإن الرسالة التي ستصل إلى العالم ستكون واضحة، وهي أن تكلفة الصراعات لا يجب أن يتحملها الضحايا، وأن من يتسبب في الأذى ينبغي أن يشارك في معالجة نتائجه.

في الحروب لا تتوقف المعارك عند آخر طلقة، ولا تنتهي عند إعلان وقف إطلاق النار، فهناك دائماً فصل آخر أكثر تعقيداً وأطول زمناً، هو فصل الحساب.. من يدفع الثمن؟ ومن يتحمل المسؤولية؟.

 

. ومن يعوض الخراب الذي خلفته الصواريخ والطائرات والمسيّرات؟.. هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن الأسئلة العسكرية والسياسية، لأنها تمس حياة الناس ومستقبل الدول واستقرار المجتمعات.

ما لا يمكن تجاهله هو أن المنطقة دفعت بالفعل ثمناً باهظاً خلال الفترة الماضية، فالأموال التي أنفقت على مواجهة التهديدات الأمنية، وعلى إصلاح الأضرار، وعلى تعزيز الدفاعات وحماية المنشآت الحيوية، كان يمكن أن تذهب إلى مشاريع تنموية وتعليمية وصحية يستفيد منها ملايين الناس..

 

ولهذا فإن القضية في جوهرها ليست قضية أموال فقط، وإنما قضية مبدأ يقول إن الاستقرار ليس مجانياً، وإن العبث بأمن الدول له ثمن، وإن احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها ليس مجرد شعار سياسي يردد في البيانات، ولكنه قاعدة أساسية لحماية الأمن الإقليمي والدولي.

لقد اعتادت المنطقة خلال العقود الماضية أن تسمع عن العقوبات والحصار والتجميد والمفاوضات والاتفاقيات، لكنها اليوم أمام نقاش مختلف يتعلق بمسألة التعويض والمساءلة..

 

وهو نقاش قد يرسم ملامح مرحلة جديدة في التعامل مع النزاعات الإقليمية إذا ما تم تحويله إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ، خاصة وأن الطرف المعتدي، الذي هو إيران، يطالب اليوم بدفع تعويضات، وهي مطالبة تتسم بعدم المنطق، إذا ما علمنا أن دول الخليج العربية لم تهاجم إيران، وتحلت بالصبر والحكمة رغم الهجمات التي تعرضت لها.

هل ستتحول هذه الفكرة إلى واقع، أم ستظل مجرد ورقة ضغط سياسية تستخدم في مرحلة التفاوض، التي تعلمنا من التجارب أنها قد تطول أكثر مما هو متوقع؟.

 

. الإجابة لا تزال رهناً بالتطورات المقبلة، لكن المؤكد أن زمن تجاهل كلفة الحروب يقترب من نهايته، وأن العالم بات أكثر ميلاً إلى البحث عن آليات تجعل من يتحمل مسؤولية إشعال الأزمات شريكاً في دفع فاتورة نتائجها..

وعندما نصل إلى هذه المرحلة، فإن الرسالة ستكون واضحة، ومفادها أنه لا أحد يستطيع أن يصدر الأزمات إلى جيرانه ثم يتنصل من تبعاتها، فلكل فعل ثمن، ولكل ضرر حساب، ولكل حساب يوم تُفتَح فيه الدفاتر.

 

مقال للكاتب: علي عبيد الهاملي في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى