مقالات

الشرق الأوسط.. وتعددية مراكز القوة العالمية

منصور جاسم الشامسي

الشرق الأوسط.. وتعددية مراكز القوة العالمية

«في وسعك أن تَشن الحرب، غير أنك نسيت أسلوب إرساء السِلم» (مبدأ سياسي).

الشرق الأوسط، أو تاريخياً الشرق الأدنى، فسيفساء طبيعية جَمالية، ذو خصوصية، وموئل خزائن الحِكم وكوامن العلوم، وحضارات ومدنيات ورسالات دينية ومصادر طاقة وموارد ومضائق وممرات مائية استراتيجية ومسؤوليات كبرى مرتبطة بمستقبل البشرية والعقل الإنساني المشترك وتحقيق الازدهار، ويستحق السعادة والسلام، لكنه يتعرض لانتهاكات وتنقضّ عليه قُوى استئصالية تُغذيها أوهام وأيديولوجيات وحساسيات تُعَسكر الاقتصاد والسياسة وتستثمر في الحروب وحالة اللاسِلم واللاحرب والصفقات وتجارة السلاح، فطَبَعت الشرق الأوسط بطابع عنيف وفوضى، وأصبح حقل تجارب لصناعة أزمات وحروب مُستدامة.

الشرق الأوسط يرتفع إلى مستوى الفهم الأعلى والمسؤولية إذا عالج أزماته، كُلياً، بالاعتماد على الذات، ومقتضيات القانون الدولي والحَوْكَمَةِ والبحث العلمي السياسي، وتنمية الاقتصاد، والحد من العسكرة، وتوفير الموارد لضحايا حروبه وإعمار مناطقهم المتضررة وتَعويضهم، وعودة المُهَجرين، ومُراعاة قواعد الحرب الأخلاقية والقانونية – عند حدوثها – ومَنع اتساعها، والعمل لإيقافها، دبلوماسياً، وحماية المدنيين والأسرى والجرحى والمرضى وفرق الإمداد والإسعاف الطبي والبيئة وتَجريم القصف العشوائي واستخدام الأسلحة المُحرمة واستهداف الأماكن المدنية، والنووية، والحَد من دور مُحَرِضي الحروب، واحترام مواثيق فض القتال، والهُدَن، والتحلي بالشجاعة والتواضع بالاعتذار عن الأخطاء السياسية، وتَصحيحها.

أطروحة التعايش السِّلمي في الشرق الأوسط «ضرورة موضوعية» يُمليها الوضع الدولي الذي يشهد تغييرات هيكلية وتعددية مراكز القوة العالمية، على النحو التالي:

* الصين تستعيد دورها الصناعي التجاري الاقتصادي الاستراتيجي التاريخي بمبادرة «الحزام والطريق» العابرة للقارات، حيث الشرق الأوسط حجر الزاوية في المبادرة، وتعمل الصين على تطوير استثماراتها في القطاعات الاقتصادية وتنفيذ مشاريع مختلفة في المنطقة، وحل صراعاتها سلمياً لتوفير بيئة سلام شرق أوسطية ملائمة لمبادرات الصين التنموية التشاركية العالمية. وتعارض الصين الحروب التي تصفها بأنها «إمبريالية توسعية» وعنف اقتصادي، كمبدأ سياسي أرساه مؤسس الصين الحديثة وقائد ثورتها الاشتراكية، ماو تسي تونغ، عام 1949 وتَرَسخ بالسياسة الإصلاحية والانفتاحية للزعيم الصيني دينغ شياو بينغ، عام 1978، خاصة أن الصين عانت، تاريخياً، من التدخل الغربي.

وتِجاه حروب الشرق الأوسط تبقى الصين على الحياد، وقد تتدخل بدعم الطرف الذي تعتقد أنه ضحية الإمبريالية والاستعمار الجديد، ويُقاومهما، كدعمها السياسي والمادي واللوجستي التاريخي لحركات التحرر والاستقلال الوطني، في دول الجنوب العالمي. في حين تسترضي الصين الولايات المتحدة بالصفقات التجارية والتفاهمات الاقتصادية، وتواجه السياسة الأمريكية في المنطقة، كونها حربية تصعيدية وتهدد أمن الطاقة الصيني، بالتحالفات الموازية والردع.

* روسيا انسحبت عسكرياً من مناطق نفوذها في الشرق الأوسط، وتتبع سياسة انفتاحية تجاه دول المنطقة وتُركز على مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها الجيوسياسية وتُشجع دول المنطقة على تجنب صراعات المحاور. روسيا والصين، تستخدمان حق النقض (الفيتو) ضد السياسة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وتَمْلك، روسيا والصين رؤية مشتركة لنظام دولي مُتعدد الأقطاب، والتخلي عن أُحادية الدولار، وتعملان على خلق كيان عالمي تكاملي اقتصادي وتنظيمي واستراتيجي موازٍ للولايات المتحدة.

* الولايات المتحدة تمر بمنعطف تاريخي، فقد أنهكتها حروبها وتكاليفها الباهظة، ومثقلة بإرث انتقالها من أزمة إلى أزمة. فحرب العراق (2003) قوضت الثقة في تقديراتها الاستخبارية والسياسية، وتخلى حلفاؤها الأوروبيون عن مساندة عملياتها العسكرية الأحادية في الشرق الأوسط (2025 – 2026) التي استنزفت نصف الذخيرة الرئيسية الحيوية الأمريكية، وأدت إلى خسارة استراتيجية، أربكتها أمام منافسيها العالميين، وقلصت الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وقد صوت مجلس النواب الأمريكي (3 يونيو/حزيران 2026) على تقييد صلاحيات الحرب الممنوحة للرئيس للحد من انفراد السلطة التنفيذية بالقرارات العسكرية، وهذا عامل تشريعي يسعى لإنهاء الحروب الأمريكية في المنطقة والالتفات نحو معالجة الأوضاع الأمريكية الداخلية السيئة.

تعددية مراكز القوة العالمية تفرض نفسها كأمر واقع وبوصفها معطى جديداً في العلاقات الدولية يمنح الشرق الأوسط فرصة التحرر من الضغوط الأحادية الخارجية، وبِناء إرادة سياسية ذاتية مستقلة تشاركية بين دوله وتطوير علاقات إقليمية ودولية متكافئة تنموية، ويقلص هيمنة قُطب على اقتصاد وأمن وسياسة العالم، ولا يعود هناك مجال للحديث عن القوة العظمى الوحيدة، أو نظام القطب الواحد الذي يضمحل.

بذلك، يدخل الشرق الأوسط مرحلة توازن القوى، المبدأ الذي ابتدعته السياسة البريطانية التاريخية، والذي لا يسمح لأي قوة بأن تُهيمن على القارة الأوروبية، وإِنّما هناك توازن قوى داخل القارة، وقياساً عليه، لا تكون هناك قوة مهيمنة على الشرق الأوسط، وإِنّما حالة توازن قوى، تتشكل بداخله، وتنحل تناقضاته الفعلية، وتتطور أشكال وعي وتنظيم مُتجانسة، مُتشاركة تدريجياً، ويتحول في بناه كإقليم ونظام ومنظومة ونسق متكامل، كليّ، من دوره الهامشي إلى دوره المركزي، ويُصبح قُطب قوة.

الكاتب.  منصور جاسم الشامسي من صحيفة الخليج الاماراتية.

زر الذهاب إلى الأعلى