مقالات

مفارقات ما بعد قمة إيفيان

محمد السعيد إدريس

مفارقات ما بعد قمة إيفيان

الحرص الشديد على استمالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من جانب باقي قادة مجموعة الدول الصناعية الكبرى السبع، طيلة الأيام الثلاثة التي شهدتها قمتهم التي عُقدت في منتجع «إيفيان» على ضفاف بحيرة جنيف السويسرية، وضعها أمام مأزق صعب، وربما مفترق طرق مع الرئيس الأمريكي وإدارته. ماذا لو لم يستجب ترامب لهذه الاستمالة؟ هل في مقدور هؤلاء القادة الصدام والمواجهة مع الولايات المتحدة، وهم على بُعد أسابيع معدودة من قمة قادة حلف شمال الأطلسي «الناتو» التي ستُعقد الشهر المقبل في «أنقرة»، ويأملون أن يحضرها ترامب، حفاظاً على عدم حدوث قطيعة أمريكية مع الحلف؟

الأوروبيون حرصوا على عدم استفزاز ترامب بأيّ شكل من الأشكال، لذلك قرروا استبعاد الملفات الخلافية التي من شأنها أن تثير غيظه وتوتره، كما قرروا من ناحية أخرى، استمالته لدعم ملفات أخرى ستُعرض في أنقرة، وعلى رأسها بالطبع ملف أوكرانيا.

استند الموقف الأوروبي على حجّتين راجحتين:

– الحجة الأولى، أن انتهاء الحرب مع إيران، وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، وإنهاء القيود الأمريكية المفروضة على النفط الإيراني سوف تخلق «وفرة كبيرة» في سوق النفط، الأمر الذي من شأنه أن يُقنع الولايات المتحدة بالعودة مجدداً إلى فرض العقوبات التي كانت ألغتها على صادرات النفط الروسي، لعدم وجود حاجة من جانب سوق النفط والغاز العالمي للمنتجات الروسية، ما يعني عودة العقوبات الأمريكية، وهذا من شأنه عودة أمريكا إلى جانب خيار الضغط على روسيا، وإجبار روسيا على القبول بالمطالب الأوروبية والأوكرانية للتوصل إلى حل سياسي للأزمة الأوكرانية.

– الحجة الثانية: أن الواقع الميداني العسكري في الأشهر الأخيرة لم يعُد في مصلحة روسيا، بعد كل النجاحات التي حققتها أوكرانيا عسكرياً، ووصولها إلى العمق الروسي بالمسيّرات المتطورة، الأمر الذي يستوجب إعطاء الأولوية لدعم أوكرانيا عسكرياً، وبشكل مكثف، بدلاً من تقديم تنازلات أوكرانية لروسيا.

هاتان الحجتان، إلى جانب لقاء ناجح وودّي عقده الرئيس الأمريكي مع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، كان لهما آثار مهمة في تضييق الفجوة بين الموقفين، الأوروبي والأمريكي، والتوصل إلى بيان تجاوز كثيراً الطموحات الأوروبية مع الرئيس ترامب، تضمن عزماً مشتركاً على إنهاء الأزمة الأوكرانية، من خلال زيادة الضغوط على روسيا، بما في ذلك فرض عقوبات على قطاعَي النفط والغاز، وتوسيع إمدادات الأسلحة بعيدة المدى، وأنظمة الدفاع الجوي إلى كييف.

للوهلة الأولى اعتقد القادة الأوروبيون أن التوافق قد عاد مجدداً إلى طرفي التحالف الأطلسي، الأوروبي والأمريكي، انطلاقاً من التوافق على دعم الملف الأوكراني، لكن يبدو أن الأزمة بين الولايات المتحدة وأوروبا أوسع وأعمق من الأزمة الأوكرانية، فما أن انتهت القمة حتى عاد الرئيس الأمريكي، ومعه وزير الحرب «بيت هيغسيث»، إلى التصعيد ضد الأمن الأوروبي، وقادة أوروبا أنفسهم.

فبعد ساعات فقط، من انتهاء هذه القمة لمجموعة السبع، أعلن وزير الحرب الأمريكي، يوم الخميس الماضي، إجراء مراجعة جديدة لانتشار القوات الأمريكية في أوروبا، وهدّد بوقف دفع المستحقات الأمريكية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في كلمة له أمام وزراء دفاع الحلف، وفي مقر الحلف في بروكسل، وبعده بثلاثة أيام صرّح الرئيس الأمريكي ترامب، في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض عقب عودته إلى واشنطن (22/ 6/ 2026)، أن «بإمكانه رفض تقديم المساعدة لدول حلف شمال الأطلسي في حال طلبت ذلك، بعد امتناعها عن دعم العملية العسكرية الأمريكية في إيران»، وزاد على ذلك بقوله: «أنفقنا كل هذه الأموال، ثم عندما نريد ربما الحصول على مساعدة في أمور صغيرة يقولون: لا، نفضل عدم المساعدة». وأضاف «من الغباء قول ذلك، لأننا بدورنا نستطيع أن نقوله لهم إذا أردنا.. وقد نفعل ذلك».

المفارقة الأمريكية بين التوافق والتأزيم امتدت إلى الجوانب الشخصية، عندما تعمّد الرئيس الأمريكي إهانة رئيسة الحكومة الإيطالية «جورجيا ميلوني». فقد ردّ الرئيس الأمريكي على سؤال من قناة «La 7» الإيطالية، تعليقاً على الأحاديث التي أجراها مع رئيسة الحكومة الإيطالية فكان ردّه: «ربما كانت سعيدة لأنني تحدّثت معها.. لم يكن عليّ أن أتحدّث معها»، ثم أضاف: «لقد توسّلت إلي لالتقاط صورة معها.. لم يكن عليّ أن أتحدث معها».

ميلوني أبدت دهشتها، ورفضها لتعليقات ترامب ووصفتها بأنها «مختلقة بالكامل»، وقالت بانفعال: «هناك أمر واحد يجب أن يتذكره (ترامب).. لا أنا ولا إيطاليا نتوسل أبداً».

سجالات الصدام بين ترامب وميلوني أعادت إلى الذاكرة صداماته السابقة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني «كير ستارمر»، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، وتفاقِم المفارقة بين التوافق الأمريكي -الأوروبي في ملفات والصدام في ملفات أخرى. مفارقة هي أبرز ما يمكن اعتباره تلخيصاً لنتائج «قمة إيفيان».

الكاتب. محمد السعيد إدريس من صحيفة الخليج الاماراتية.

زر الذهاب إلى الأعلى