
لم يكن انهيار مسعى التهدئة الأخير بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وطهران مفاجأة للمراقبين العارفين بالعمق التاريخي للعلاقات بين الطرفين، حيث أن أفضل ما يمكن أن يقال عن تجربة «المهادنة» القصيرة هي أنها ولدت ميتة، لتعيد إلى الأذهان إخفاقات دبلوماسية مماثلة، والسؤال الحقيقي اليوم يدور حول طبيعة الخيارات البديلة التي تملكها واشنطن، وما إذا كانت تمتلك الصلابة المؤسسية والسياسية للتمسك باستراتيجية أكثر حزماً عندما تضيق الخيارات.
تثبت التجربة الدولية أن مقايضة رفع العقوبات بتنازلات أمنية مؤقتة في الممرات المائية هي مقاربة تفتقر للواقعية، فالاعتماد على الالتزامات الشفهية دون آليات تحقق صارمة يقود حتماً للانهيار التلقائي للتفاهمات، مما يضع الإدارة الأمريكية أمام حتمية صياغة معادلة بديلة ترتكز على توازن صلب يحمي المصالح الدولية دون الانجرار لصدام عسكري غير محسوب.
تُعيد المواجهة المفتوحة في مضيق هرمز إلى الذاكرة أحداث «حرب الناقلات» في ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً «عملية فرس النبي» عندما ردت البحرية الأمريكية بحسم على الألغام الإيرانية بتدمير نصف أسطول طهران.
من هنا، فإن أي خيار بديل يجب أن يستوعب حقيقة أن الانفتاح غير المشروط أو تقديم الحوافز دون مقابل ملموس يُفسر كدليل ضعف وارتباك، يغري طهران برفع سقف مطالبها وتوسيع التصعيد عوضاً عن الانخراط في تهدئة مستدامة.
وكان مهندسو التهدئة في الداخل الأمريكي، وعلى رأسهم نائب الرئيس جي دي فانس وجاريد والمبعوثان كوشنر وستيف ويتكوف، عوّلوا على «دبلوماسية الصفقات المباشرة»، مروجين لقنوات اتصال قادرة على إحداث خرق جوهري، غير أن الواقع أثبت أن اختزال معضلة معقدة في «فن الصفقة» هو قصور في قراءة أيديولوجيا النظام الإيراني، فالجهاز العسكري والأمني هناك لا يرى في رفع العقوبات «بناء ثقة»، بل فرصة لتمويل أذرعه ومشروعه الصاروخي والنووي.
استراتيجياً، كان ترامب قد حدد أربعة أهداف واضحة وهي تقويض القدرات الصاروخية والبحرية ومنع حيازة السلاح النووي، وتجفيف منابع تمويل الوكلاء، ومع ذلك، منحت التفاهمات الأخيرة طهران متنفساً مالياً هائلاً مقابل تعهدات شفهية بفتح المضيق، مما يعيد خطأ «اتفاق 2015» بضخ المليارات لنظام يعزز سلوكه الهجومي.
خيارات واشنطن البديلة لا تعني بالضرورة الانزلاق نحو حرب برية شاملة على غرار غزو العراق عام 2003، فهي مغامرة يرفضها الشارع الأمريكي ولا تخدم مصالح واشنطن، بل إن المسار البديل والمجرب يتجسد في تبنّي «الردع الدبلوماسي والاقتصادي الصارم» عبر إحكام خناق العقوبات النفطية وملاحقة شبكات التهريب، بالتوازي مع تفعيل تدابير دفاعية صارمة لحماية أمن الملاحة الدولية.
تحمل هذه الاستراتيجية كلفة اقتصادية كارتفاع أسعار النفط والتضخم، وهي مخاطر تخشاها الإدارة لأسباب سياسية وانتخابية داخلية، حيث يسعى ترامب لإخراج ملف الشرق الأوسط من العناوين للتركيز على الداخل، لكن طهران لن تمنحه هذه الرفاهية.
المراهنة على لعبة «رسم الخطوط الحمراء ثم التراجع عنها» أثبتت عقمها عبر محطات تاريخية عديدة، واليوم، يقف البيت الأبيض أمام اختبار المصداقية، فإما التمسك باستراتيجية ردع صلبة ومستدامة تكبح جماح الفوضى في المنطقة، أو الاستمرار في دوامة الهدن المؤقتة.
مقال للكاتب: أحمد صلاح الدين في صحيفة الخليج.



