
قبل أيام، تم تداول خبر في نشرات الأخبار، أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت الإجراءات الرسمية لرفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، القائمة التي حملت اسمها منذ عام 1979، سبعة وأربعون عاماً، جيل كامل من السوريين ولد وعاش ومات من دون أن يكون لأي منهم فكرة عن بلده سوى أنها محاصرة بهذا الوصف.
أغلب الناس تفاعلت مع الخبر كفرح غائبٍ طال انتظاره، بينما في الواقع هو أقرب إلى فتح باب مغلق لعقود طويلة، نحن نعلم أن الباب انفتح، ولكن لا نعلم بعد ما يوجد وراءه، ومن سيكون أول من يدخل، والمدة التي سيحتاجها الداخلون ليتعلموا كيف يمكن أن يعيشوا ويتقاسموا الغرف الجديدة.
إزالة اسم دولة من قائمة الإرهاب ليس قراراً يصدر عن حسن نية في واشنطن، بل هو قرار سياسي قائم على حسابات ومصالح متشابكة، الولايات المتحدة الأمريكية تراقب التمدد الروسي الذي وجد لنفسه موطئ قدم في ليبيا وبلغ تأثيره حتى السودان وله جذور سابقة في سوريا، وتسعى لحماية فراغ سوري طويل قد يتحول إلى فرصة ذهبية بالنسبة لموسكو أو لغيرها، وهناك حسابات إقليمية أخرى، ورغبة في إعادة ضبط إيقاع المنطقة بعد سنوات من الفوضى، وإعطاء الحافز الكافي للنظام الجديد في دمشق لإثبات أنه قادر على إدارة الدولة، وليس مجموعة مسلحين انتقلوا إلى قصر الرئاسة. كل هذه الحسابات مشروعة من وجهة نظر الدول الكبرى، ولكنها لا تعني بالضرورة أن مصلحة سوريا والسوريين تقف في صدارتها.
وهنا يظهر السؤال الذي يهم أكثر من عنوان الخبر نفسه: هل الشرعية الدولية تعادل الشرعية الداخلية؟ الجواب بكل بساطة: لا، يمكن لدولة أن تكون مرفوعة من كل القوائم السوداء في العالم، وأن تُستقبل سفاراتها في كل عاصمة، وتوقّع كل الاتفاقيات الاقتصادية الممكنة، ولكن في نفس الوقت تكون، في داخلها دولة مفككه. والمثال موجود أمامنا مباشرة، بينما تحتفل دمشق بخطوة الاعتراف الأمريكي، السويداء في حالة شبه انفصال فعلي عن سلطة المركز، هنا وهناك اتهامات بالاعتقالات التعسفية، علاوة على التفجيرات والتهديدات الأمنية، هذا ليس تفصيلاً هامشياً يمكن التغاضي عنه تحت ضربة خبر جيد من الخارج، بل هو جوهر المشكلة، كيف يمكن بناء دولة موحدة فعلياً، وليس فقط على الورق؟
الحق أن هذا النوع من التناقض ليس غريباً على الدول التي خرجت للتو من الحروب الأهلية أو الانهيارات الكبرى، العراق عاش شيئاً مماثلاً بعد 2003، وليبيا بعد 2011، ولبنان يعيش نسخة مزمنة منذ عقود. الاعتراف الدولي، مهما كان مهماً سياسياً واقتصادياً، لا يصنع بمفرده المؤسسات التي تعمل، ولا الجيش الموحد الخاضع لسلطة مركزية واحدة، ولا الاقتصاد الذي ينهض من تحت الركام.
وسوريا في وقتنا الحاضر تحمل في نفسها كل هذه التحديات، ربما بشكل أكثر حدة مما عرفته دول أخرى بسبب حجم الدمار وأمد الأزمة وتعدد الأطراف المسلحة على الأرض.
ومن أجل هذا، ورغم كل هذا التحفظ، لا يمكن إنكار أن هذه اللحظة تحمل فرصة نادرة لفتح الأبواب الاقتصادية، وإمكانية ضخ الاستثمارات الحقيقية في قطاعات متوقفة منذ سنوات: الكهرباء، الصحة، الصناعة، وحتى السياحة التي كانت يوماً مصدراً مهماً للبلد، ويمكن أن يعطي هذا الانفتاح، النظام الجديد في دمشق الفرصة لإثبات جدارته، ليس فقط أمام الخارج، ولكن أمام شعبه الذي أنهكته السنوات الطويلة من الحرب والانتظار، الشرعية الحقيقية في النهاية ليست تُمنح بقرار من عاصمة أجنبية، ولكن تُبنى يوماً بعد يوم، بحالة مصالحة وطنية جدية لا تستثني أحداً، والإدارة الكفوءة للمؤسسات بعيداً عن المحسوبية، والحوار الحقيقي مع المناطق التي تشعر بأنها خارج المعادلة تماماً.
ما يحتاجه السوريون العاديون، أولئك الذين لا تصلهم أصداء القرارات الدولية إلا متأخرة، ليس احتفالاً عابراً بخبر جيد في نشرة مسائية، بل الخطة الواضحة التي تنقل هذا الانفتاح إلى شيء ملموس: كهرباء تعمل أكثر من بضع ساعات في اليوم، ومستشفى لا ينقصه الدواء، والمدرسة التي لا يخشى فيها الأهل إرسال أبنائهم إليها، وما تحتاجه دمشق، أكثر من اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية أو أي عاصمة أخرى، هو أن يشعر مواطنوها، فعلياً وليس شعاراً، بأن الدولة الجديدة تستحق أن تُمنح فرصة.
الكاتب. ابراهيم فلاح القحطاني. من صحيفة الخليج الاماراتية.



