
في السنوات الأخيرة أصبحنا نرى توجهاً متزايداً نحو تطوير مجمعات سكنية متكاملة تخصص مساحات ضخمة للحدائق والممرات والمرافق الترفيهية، حتى إن بعض المشروعات باتت تتفاخر بأن ما لا يقل عن 60 أو 70% من مساحتها، عبارة عن مساحات خضراء ومفتوحة مقابل 30% فقط للبناء، كما أصبحنا نرى زيادة تركيز بعض المشروعات على تسويق وبيع جودة الحياة خارج المنزل، على حساب جودة الحياة داخله.
لسنا ضد هذا التوجه، بل بالعكس هو إيجابي، ويعكس اهتماماً بجودة الحياة والاستدامة والصحة النفسية للسكان، تماشياً مع التوجهات المستقبلية للخطط والرؤى الحضرية لمدننا، لكن في الأغلب يتبادر إلى ذهني السؤال التالي: هل جودة الحياة تقاس بما هو خارج الوحدة السكنية فقط؟. بمعنى آخر، ما فائدة الحدائق الواسعة والمرافق المتنوعة إذا كانت مساحة الشقة أو الفيلا نفسها لا تلبي احتياجات الأسرة الفعلية؟، ويحدث هذا كثيراً في بعض المشروعات، إذ تجد المساحات الخضراء والمرافق الترفيهية كبيرة وضخمة، لكن المساحة الداخلية للوحدة السكنية تُشكّل علامة تعجب!. نشهد في بعض الأحيان تقلصاً في المساحات الداخلية أو تقليصاً لبعض الفراغات المعيشية، بهدف تحقيق معادلات سعرية وتسويقية معينة.
اليوم أصبحنا نرى أن المنافسة بين بعض المطورين انتقلت من مزايا الوحدة السكنية بعينها، إلى زيادة المساحات الخضراء. والحقيقة أن جودة الحياة لا تبدأ من الحديقة فقط، أو من مسار المشي المظلل بمئات الأشجار، بل تبدأ من داخل المنزل نفسه، من مساحة غرفة المعيشة، وحجم غرف النوم، وكفاءة التصميم الداخلي، وقدرة الوحدة السكنية على استيعاب متطلبات الأسرة الحالية والمستقبلية. فالمعادلة الحقيقية ليست 70% مساحات خضراء و30% بناء، بل تحقيق توازن بين جودة الحياة خارج المنزل وداخله، وهذا هو التوجه المنشود، خصوصاً في دبي، بناء على استراتيجياتها الكبرى في تعزيز جودة الحياة والانتقال بنمطها إلى مستوى أفضل.
ولفتاً للانتباه، لا ينبغي أن تتجاوز المساحات الخارجية الخضراء المساحات المعيشية الداخلية للوحدة السكنية، وعلى المطورين تحقيق توازن في هذه المعادلة، حتى تكون النتائج أفضل بكثير مما هو متوقع أو مخطط له ضمن الخطط التنموية الكبرى.
الساكن لا يقضي معظم وقته في حدائق المجمع، بل في منزله، ولهذا أرى ضرورة إعادة النظر في التركيز فقط على نسبة المساحات الخضراء في المشروعات، وإهمال مساحات الوحدات السكنية ذاتها، لأن جودة الحياة الحقيقية تبدأ من البيت.
مقال للكاتب: إسماعيل الحمادي في صحيفة الإمارات اليوم.



