إرهاق التاريخ وأزمة التقدم

لا تُبنى الدول والحضارات على النسيان، كما أنها لا تنهض وتزدهر بالعيش في ذاكرة الماضي وحدها، فالتاريخ نعمة حين يكون مصدراً للعبرة والخبرة، لكنه يتحول إلى عبء ثقيل حين يصبح ملاذاً نفسياً نهرب إليه كلما عجزنا عن صناعة الحاضر واستشراف المستقبل.
وإذا كان التاريخ الإسلامي يزخر بإنجازات علمية وفكرية وحضارية عظيمة، فإن هذا المجد لم يكن ثمرة التغني بمن سبق، بل ثمرة العمل والإبداع والاجتهاد. فالعلماء المسلمون بتعايشهم مع غيرهم من مفكرين ومثقفين وعلماء الأديان الأخرى وانفتاحهم عليهم كانوا منتجين للمعرفة، ومؤسسين لعلوم جديدة، ومتفاعلين مع معارف غيرهم، ترجمةً ونقداً وتطويراً.
ومن هنا فإن من أكبر الأخطاء الفكرية هو اختزال النهضة الفكرية والعلمية في استدعاء الأمجاد التاريخية على حساب إلقاء التهم على مجتمعاتنا الحالية بأنها مجتمعات تخلف وتراجع دون النظر إلى مكتسباتنا القيمة، فالحضارة تُقاس بما تضيفه للأجيال الحاضرة، لا بما ورثته عن الأجيال السابقة.
وقد نبّه عدد من المفكرين المعاصرين اليوم إلى هذه الإشكالية، فيرى المفكر الدكتور خليفة الظاهري أن المعضلة ليست في غياب التاريخ، بل في غياب الفاعلية الحضارية، وأن المجتمعات التي تعيش على رصيد الماضي تفقد قدرتها على الإبداع وصناعة المستقبل، وأن بقاء الحضارات مرهون بقدرتها على مواكبة مستجدات واقعنا المعاصر، لا بمجرد الاعتزاز بماضيها التليد.
لهذا أصبحت التقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والبحث العلمي، ميادين التنافس الحقيقي بين الدول. ومن ثم فإن الانشغال المفرط بمعارك الماضي، أو استدعاء الخلافات التاريخية، أو البكاء على الأطلال، لا يثمر إلا مزيداً من التأخر الحضاري، ويصرف الطاقات عن ميادين الإنتاج والابتكار.
ولكن يجب التنبه إلى أن هذا لا يعني نسيان التاريخ أو التقليل من شأنه، فالدول والحضارات التي تنسى جذورها تفقد هويتها الوطنية، فالاعتدال يقتضي أن يكون التاريخ مرجعاً لا قيداً، ومصدراً للإسهام في مزيد من العمل، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَد أَنزَلنا إِلَيكُم آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذينَ خَلَوا مِن قَبلِكُم وَمَوعِظَةً لِلمُتَّقينَ﴾ [النور: 34]. فالتاريخ ينبغي أن يكون درساً نتعلم منه، ولا قيمة لحضارة تظل تعدّد ما صنعه أسلافها إذا عجزت عن أن تضيف إلى مسيرة الإنسانية شيئاً جديداً. فخير ما نفعله بتاريخنا أن نحوله من ذاكرة نتغنى بها إلى طاقة نبني بها مستقبلاً يزدهر من خلاله وطننا الغالي.
باحث في العلوم الإنسانية
مقال للكاتب: ناصر سالم سيف الدرعي في صحيفة الإمارات اليوم.



