
في السادس من أغسطس 2026، نستحضر محطة تاريخية مضيئة في مسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ تحل الذكرى الستون لتولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي عام 1966؛ ذلك الحدث الذي لم يكن مجرد انتقال للقيادة، بل كان بداية مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، تحولت فيها الرؤية إلى مشروع حضاري، والحلم إلى دولة أصبحت اليوم نموذجاً عالمياً في التنمية والاستقرار والازدهار.
لقد امتلك الشيخ زايد رؤية استثنائية سبقت عصرها، فأدرك أن الثروة الحقيقية لا تكمن في النفط، بل في الإنسان.
وكان يردد مقولته الخالدة: «إن الإنسان هو أساس أي عملية حضارية» ومن هذا الإيمان العميق انطلقت مسيرة بناء الإنسان الإماراتي، ليكون الشريك الحقيقي في صناعة المستقبل.
ولعل أعظم إنجازاته التاريخية كان نجاحه، مع أخيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، في توحيد الإمارات السبع تحت راية واحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971.
فقد أثبت القائدان أن الوحدة ليست قراراً سياسياً فحسب، بل مشروع حضاري يقوم على الثقة، والتكامل، والإيمان بالمصير المشترك.
واليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود، تقف دولة الإمارات شاهدة على صواب تلك الرؤية، وهي تحقق إنجازات جعلتها في مصاف الدول الأكثر تقدماً وتأثيراً في العالم.
ومن النعم التي أعتز بها شخصياً أنني كنت أحد أبناء هذا المشروع الوطني. ففي عام 1976، كنت ضمن أول دفعة من الطلبة الإماراتيين الذين ابتعثتهم الدولة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراستهم الجامعية.
لم يكن الابتعاث مجرد منحة تعليمية، بل كان استثماراً استراتيجياً في أبناء الوطن، يعكس إيمان الشيخ زايد بأن أفضل استثمار هو الاستثمار في العقول.
وعندما غادرنا للدراسة، كنا نحمل معنا أحلام وطنٍ فتِيٍّ يتطلع إلى المستقبل، وعدنا بعد سنوات نحمل المعرفة والخبرة، لنشارك في بناء مؤسساته، وجامعاته، واقتصاده، وبنيته التحتية.
واليوم، وبعد مرور خمسين عاماً على تلك البعثات، يتولى كثير من أبناء تلك الدفعات مواقع قيادية في الوزارات والجامعات والمؤسسات الحكومية والخاصة، ويواصلون خدمة وطنهم الذي منحهم الثقة والفرصة.
ولم يكن تأسيس جامعة الإمارات العربية المتحدة عام 1976 وقبول الطلبة في عام 1977 إلا امتداداً طبيعياً لهذه الرؤية.
فقد أراد الشيخ زايد أن تكون للدولة جامعة وطنية تخرّج العلماء والباحثين والقادة، وتصبح منارة للعلم والمعرفة في المنطقة.
ومنذ ذلك الحين، توسعت منظومة التعليم العالي في الدولة لتضم جامعات وطنية وعالمية، وأسهمت في إعداد أجيال من الكفاءات التي تقود اليوم مختلف القطاعات. لقد كان التعليم بالنسبة للشيخ زايد مشروعاً وطنياً طويل الأمد، وليس خدمة حكومية فحسب.
ولذلك استثمر في المدارس، والجامعات، والبعثات الخارجية، والبحث العلمي، وإعداد المعلم، وإتاحة فرص التعلم للجميع، رجالاً ونساءً، حتى أصبحت الإمارات اليوم من الدول الرائدة في مؤشرات التعليم والابتكار واقتصاد المعرفة.
ولم تتوقف إنجازات الشيخ زايد عند حدود التعليم، بل امتدت إلى بناء مؤسسات الدولة الحديثة، وترسيخ سيادة القانون، وتطوير البنية التحتية، وتوفير الرعاية الصحية، وتحقيق التنمية المتوازنة بين جميع إمارات الدولة.
وكانت رؤيته تقوم على أن التنمية الحقيقية يجب أن تصل إلى كل إنسان وكل منطقة، وهو ما جعل الاتحاد نموذجاً ناجحاً في التنمية الشاملة.
وعلى الصعيد الإقليمي، كان الشيخ زايد رمزاً للحكمة والاعتدال، وداعيةً دائماً إلى التضامن العربي، وحل النزاعات بالحوار، وتعزيز التعاون بين الأشقاء.
وأسهمت مواقفه في ترسيخ مكانة الإمارات كدولة سلام واستقرار، تسعى إلى بناء الجسور لا الحواجز، وإلى جمع الكلمة لا تفريقها.
أما عالمياً، فقد أصبح اسم الشيخ زايد مرادفاً للعمل الإنساني والخيري. فقد امتدت أياديه البيضاء إلى عشرات الدول، دون تمييز في الدين أو العرق أو اللغة، فشُيّدت المستشفيات والمدارس، وحُفرت الآبار، وأُقيمت مشاريع الإسكان، ووصلت المساعدات إلى المحتاجين في مختلف أنحاء العالم.
ولم يكن العمل الإنساني بالنسبة له سياسة خارجية، بل كان جزءاً أصيلاً من منظومته القيمية، وإيماناً راسخاً بأن الإنسان يستحق الحياة الكريمة أينما كان.
واليوم، ونحن نعيش في ظل القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، نرى بوضوح كيف تستمر مسيرة زايد بروحها وقيمها، مع الانتقال إلى مرحلة جديدة تقودها المعرفة، والابتكار، والذكاء الاصطناعي، والاستدامة، واستكشاف الفضاء، والاقتصاد الرقمي.
إن الإنجازات التي تحققها الإمارات اليوم ليست وليدة السنوات الأخيرة، وإنما هي ثمرة البذور التي زرعها الشيخ زايد منذ ستة عقود، حين آمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن التعليم هو الطريق الأقصر إلى المستقبل، وأن الاتحاد هو أعظم إنجاز يمكن أن تهديه القيادة لشعبها.
وفي هذه الذكرى الستين، لا نستذكر قائداً صنع تاريخاً فحسب، بل نستذكر مدرسةً في القيادة، وفلسفةً في التنمية، ومنهجاً في الإنسانية، ما زال يلهم الأجيال داخل الإمارات وخارجها.
رحم الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وجزاه عن الإمارات وشعبها خير الجزاء.
وستظل مسيرته منارةً تهدي الأجيال، وسيبقى إرثه حاضراً في كل مدرسة، وكل جامعة، وكل مؤسسة، وكل إنجاز، وفي كل مواطن يؤمن بأن خدمة الوطن هي أعظم رسالة، وأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي لا ينضب عطاؤه.
الكاتب. د. عيسي محمد البستكي من صحيفة البيان.



