
في آخر يوليو من كل سنة، يجد المواطنون في المغرب أنهم على موعد مع احتفالات عيد العرش أو عيد الجلوس، ولا يشير المسميان إلا إلى شيء واحد هو اليوم الذي تولى فيه الملك محمد السادس خلفاً لأبيه الملك الحسن الثاني.
كان ذلك في يوليو 1999، ومن بعدها توالت الاحتفالات في موعدها كل سنة، ولم تكن احتفالات بمعنى البهرجة وتعليق الزينات والأنوار في الميادين، بقدر ما كانت مناسبة سنوية لتقديم كشف حساب من جانب الحكومة عن السنة المنقضية ذهاباً إلى السنة المقبلة.
ومن حسن حظ المغرب أن الجغرافيا كانت إلى جواره حين أعطته موقعاً يطل على البحر والمحيط، فالمتوسط هناك على رأس البلاد في الشمال، والأطلسي إلى الغرب منها، ولم يكن حسن الحظ في هذا وحده، ولكنه كان في أن بلداً يستقر في هذه البقعة على الخريطة هو بلد بعيد نسبياً عن الشرق الأوسط بأزماته التي لا تفنى ولا تستحدث.
هو بعيد عنها بمعيار المسافات الممتدة، ولكنه ليس بعيداً بمعيار الاهتمام بقضايا الأمة التي لا بد منها ولا يمكن الهرب من فكاكها، وإلا ما كان ملك البلاد هناك قد بقي رئيساً للجنة القدس، وما كان ضباط من القوات المسلحة الملكية المغربية قد وصلوا قبل أيام إلى قطاع غزة ليشاركوا في القوات الدولية التي سيكون عليها أن تتواجد في القطاع، لعله يعرف السلام الذي غاب عنه وطال غيابه، ولعل الفلسطينيين فيه يعيشون كما يعيش آحاد الناس.
ولا بد أن هذا الموقع عند التقاء البحر بالمحيط قد وفر لصانع القرار المغربي قدراً من الهدوء في اتخاذ قراره، وفي ترتيب أولوياته وفي العمل الذي تتحدد ملامحه في خطاب العرش كلما استدارت السنة وجاء عيد العرش من جديد..
فعندها تجد الحكومة في الرباط أنها إزاء محاسبة سياسية من الملك، تتوازى معها محاسبة أخرى من البرلمان على طول السنة، ولا تجري المحاسبتان إلا إلى حيث يراد للمواطن أن يعيش بدرجة من الجودة في حياته.
يذهب الملك مع طقوس احتفالات عيد العرش إلى خارج العاصمة، وفي هذه السنة مثلاً كان الخروج إلى مدينة المَضَيق في أقصى الشمال، ثم في اليوم التالي إلى مدينة تطوان الواقعة إلى الشرق من مدينة طنجة الساحرة.. إنها ساحرة بإقرار واعتراف من أجانب عاشوا فيها، لا بشهادة من أبنائها أو من المغربيين عموماً، وقد وصلت في سحرها إلى حد أن كثيرين ممن زاروها من غير أهل المغرب، قد انتقلوا للعيش فيها، فلما عاشوا بين شوارعها وشواطئها ومقاهيها حيث عاش ومات محمد شكري صاحب «الخبز الحافي» طلبوا أن تضمهم أرضها بعد مماتهم وأوصوا بذلك.
جاء إليها ذات يوم أديب فرنسا جان جينيه صاحب كتاب «يوميات لص» فبقي فيها ثم أوصى بأن يضم تراب مدينة العرائش القريبة من طنجة رفاته فكان له ما أراد، ومن بعده جاء طنجة أديب أيرلندا، صمويل بكيت، صاحب مسرحية «في انتظار جودو» فلم يعرف كيف يفارقها، ومن بعدهما جاءها أديب الولايات المتحدة الأمريكية، بول بوولز، فلم يملك إلا أن يؤلف عنها كتاباً.
سوف تجد الملك حريصاً على أن يكون احتفاله مع الحكومة والولاة ومسؤولي الأقاليم خارج الرباط العاصمة، وسوف تجده يفعل ذلك عن قصد، وسوف تجد أن القصد أن يشعر المواطن بأن الحكومة تنتقل إليه لتحتفل، ولا تدعوه إلى أن يأتي هو ليحتفل معها، وتجد ذلك يتكرر ولا ينقطع، وتجد مدن الدولة وأقاليمها ميداناً للتنقل والاحتفال من ذكرى إلى ذكرى لعيد العرش أو الجلوس، ومن مدينة إلى مدينة، وتتساوى في ذلك كل المدن من تطوان في أقصى الشمال إلى العيون في أقصى الجنوب .
تجد وراء ذلك فلسفة في الحكم، وتجدها فلسفة مستندة إلى إدراك بأن وجود الحكومة بالقرب من مواطنيها ليس كلاماً يقال في الإعلام، ولكنه حركة يراها المواطن أمامه في ذهاب الملك وحكومته إليه حيث يعيش في تطوان أو في العيون، أو فيما بينهما من مدن وأقاليم.
الكاتب. سليمان جودة من صحيفة البيان.



