
لم يحتج الحزب الديمقراطي إلى انتظار انتخابات نوفمبر حتى تنفجر أزمته الداخلية، حسْم عبدالرحمن السيد الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ميشيغان كان كافياً لإشعال واحدة من أكثر المعارك الداخلية حدة منذ سنوات، فالمعركة لم تعد تدور حول اسم مرشح، وإنما حول شكل الحزب الذي سيدخل السباق الرئاسي المقبل.
منذ عام 2016، ينتقل الحزب الديمقراطي من مراجعة داخلية إلى أخرى، خسارة هيلاري كلينتون فتحت نقاشاً حول رسالة الحزب وتحالفاته، وخسارة 2024 أعادت الجدل حول قيادته وقدرته على إقناع الناخب الأمريكي اقتصادياً.
واليوم تفتح ميشيغان جبهة جديدة تتعلق بهوية الحزب نفسها.. تحول السؤال من المرشح الأقدر على الفوز إلى الحزب القادر أصلاً على استعادة الناخب الذي خسره خلال العقد الأخير.
تحمل ميشيغان مكانة خاصة في الذاكرة السياسية للحزب الديمقراطي، ففي عام 2016 منحت بيرني ساندرز واحداً من أكبر انتصاراته المفاجئة في الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الديمقراطي، ثم صوتت بعد أشهر لدونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية، في مفارقة أربكت الحزب سنوات طويلة.
وبعد 10 سنوات تعود الولاية نفسها لتطرح المعادلة ذاتها بصيغة جديدة، بين خطأ متكرر في قراءة الناخب وبين تحول في المجتمع الأمريكي تأخرت مؤسساته السياسية في استيعابه.
يقف خلف هذا الصراع إرث سياسي بني على مدى 3 عقود، فمنذ رئاسة بيل كلينتون تشكلت المؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي حول تحالف يضم أصحاب المهن في المدن الكبرى وكبار الممولين والاتحادات العمالية والأقليات، وضواحي الطبقة الوسطى والعليا.
وفي المقابل نما خلال العقد الأخير تيار جديد بدأ مع حملة بيرني ساندرز، ويقدم قراءة مختلفة تماماً لأزمة الحزب، فالمشكلة في نظره تكمن في حزب أصبح أكثر ارتباطاً بشبكات التمويل الكبرى، وأقل جرأة في طرح برنامج اقتصادي يلامس الحياة اليومية للطبقة العاملة والطبقة الوسطى.
ولسنوات استطاعت المؤسسة الديمقراطية تفسير انتصارات اليسار باعتبارها حالات مرتبطة بخصوصية بعض المدن والولايات، ففوز زهران ممداني في نيويورك جرى التعامل معه باعتباره نتيجة طبيعية لمدينة وولاية تصوتان للديمقراطيين بصورة شبه دائمة.
وتمثلان إحدى أكثر البيئات الليبرالية في الولايات المتحدة، أما ميشيغان فتفرض معادلة مختلفة تماماً، فهي ولاية صناعية متأرجحة يتبادل الحزبان الفوز بها، وكانت حاسمة في أكثر من سباق رئاسي.
ولهذا اكتسب فوز عبدالرحمن السيد ثقلاً سياسياً مختلفاً، لأنه أعاد طرح احتمال يصعب تجاهله، إذ يفتح نجاح هذا النموذج في ميشيغان باب تكراره في ويسكونسن وبنسلفانيا وغيرهما من الولايات التي ترسم طريق البيت الأبيض.
المفارقة أن الجدل الدائر داخل الحزب الديمقراطي يبتعد عن طريقة تفكير الناخب الأمريكي، استطلاع أجرته رويترز وإبسوس بعد انتخابات ميشيغان أظهر أن غالبية المستقلين تؤيد زيادة الضرائب على أصحاب الثروات الكبرى، وتؤيد توسيع الرعاية الصحية الحكومية.
وفي الوقت نفسه تتحفظ على وصف الاشتراكية الديمقراطية. الناخب الأمريكي يبدو أكثر تعقيداً من التصنيفات التي يتجادل حولها الحزبان، فهو قد يؤيد سياسات اقتصادية تقدمية، ثم يختار مرشحاً محافظاً في قضايا أخرى، أو يرفض هوية سياسية معينة رغم اقتناعه بجزء كبير من برنامجها.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية داخل الحزب الديمقراطي، فالنقاش الداخلي يدور حول مقدار التحرك نحو اليسار أو العودة إلى الوسط، بينما يتحرك جزء كبير من الناخبين وفق أولويات مختلفة، تتصدرها تكلفة الحياة والرعاية الصحية.
وفرص العمل والإحساس بأن النظام الاقتصادي يعمل لمصلحة فئات محددة أكثر مما يعمل لمصلحة المواطن العادي.. وربما لهذا استطاع السيد أن يحول حملته إلى خطاب اقتصادي مباشر، يربط المال السياسي بالقدرة الشرائية، ويضع معيشة الأسرة الأمريكية في قلب النقاش.
من اليوم وحتى انطلاق السباق الرئاسي في 2028، قد تبدو سنتان فترة قصيرة في عمر السياسة الأمريكية، لكنها قد تكون كافية لإعادة تشكيل الحزب الديمقراطي من الداخل..
فوز السيد في الانتخابات العامة سيمنح التيار التقدمي شرعية انتخابية يصعب تجاهلها عند اختيار مرشح الرئاسة وصياغة برنامج الحزب، وخسارته ستمنح التيار الوسطي الحجة الأقوى لإعادة الحزب إلى مقاربة أكثر اعتدالاً، وفي الحالتين بدأت عملية إعادة تشكيل الحزب بالفعل.
المعركة التي انطلقت حول مقعد واحد في ميشيغان تجاوزت انتخابات التجديد النصفي، وأصبحت معركة على هوية الحزب، وقيادته وتحالفاته وشبكات تمويله.. وعندما تبدأ الانتخابات الرئاسية عام 2028، قد يكتشف الأمريكيون أنهم أمام حزب ديمقراطي مختلف جذرياً عن الحزب الذي خرج مهزوماً من انتخابات 2024.
مقال للكاتبة: نوفر رمول في صحيفة البيان.



