مقالات

كيف يعيد الخليج تعريف أمنه في عصر الجيو-اقتصاد؟

د. عبدالله الخياط

الخليج

 

كيف يمكن لدول الخليج أن تعيد تعريف أمنها في عالم لم تعد فيه القوة العسكرية وحدها تصنع النفوذ؟ هذا هو السؤال الذي يفرضه عصر الجيو-اقتصاد، حيث أصبحت شبكات الطاقة، وسلاسل الإمداد، والبنية التحتية الرقمية، والممرات اللوجستية، عناصر مؤثرة في معادلات الأمن بقدر تأثير القدرات العسكرية.
فلم يعد السؤال: كيف يدافع الخليج عن نفسه؟ بل كيف يجعل أي تهديد لأمنه تهديداً لمصالح الجميع؟ ومن هنا، فإن الأمن المستدام لمنطقة الخليج لن يتحقق عبر الترتيبات العسكرية الدفاعية فقط، ولا بانتظار الوفاق السياسي المطلق بين العواصم لوحده، بل عبر بناء منظومة مترابطة تجعل استقرار كل دولة مصلحة مباشرة لجميع الدول الأخرى.

تمر منطقة الخليج العربي اليوم بمرحلة إعادة تشكيل استراتيجي تفرضها التحولات الجيو-اقتصادية الكبرى. وفي هذا السياق، أصبح استقرار الإقليم شرطاً أساسياً لنجاح الرؤى التنموية لدول مجلس التعاون، بعد أن غدا التحول الاقتصادي والتنمية الوطنية التزاماً استراتيجياً لا يقبل التأجيل.
لكن التهدئة الدبلوماسية، مهما امتدت، لا تمنح حصانة استراتيجية دائمة. فالرهان على خفض التصعيد دون بناء شبكات أمان يبقي المنطقة عرضة للهزات مع أي تغير في توازنات القوى الدولية.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إدارة الأزمات، بل بناء حصانة ذاتية تجعل استقرار الخليج أقل ارتباطاً بالمتغيرات الخارجية وأكثر اعتماداً على قوة ترابطه الداخلي.

ارتكزت الرؤى الاستراتيجية طويلاً على خيارين رئيسيين لبناء الأمن في الخليج العربي. الأول يقوم على تعزيز التحالفات والمنظومات الدفاعية العسكرية، والثاني يركز على تحقيق توافق سياسي كامل بين العواصم الخليجية. غير أن هذين الخيارين، على أهميتهما، يواجهان تحديات عملية.
فالتركيز المفرط على المنظومات الدفاعية يجعل المنطقة في موقع الاستجابة المستمرة للتهديدات غير المتكافئة، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو الهجمات السيبرانية، وهو نموذج يستهلك الموارد دون أن يلغي مصادر الخطر.
أما اشتراط التوافق السياسي الكامل، فيصطدم بطبيعة العلاقات الدولية وتفاوت أولويات الدول ومستويات إدراكها للتهديدات. لذلك، فإن البديل العملي لا يكمن في إزالة جميع الخلافات السياسية، وإنما في فصل القطاعات الحيوية عن التوترات السياسية، وبناء مصالح اقتصادية وسيادية مترابطة تجعل أي اضطراب أمني خسارة جماعية للجميع.
لعل أحد أسباب بطء تطور بعض مسارات التكامل الخليجي إلى التركيز على تنسيق المواقف السياسية أكثر من بناء مؤسسات اقتصادية وسيادية مشتركة، رغم أن التجارب أثبتت أن المصالح الأكثر رسوخاً تُبنى بالمشروعات لا بالقرارات فقط.
التجارب الدولية تؤكد أن التطابق السياسي ليس شرطاً لربط الأمن بالاقتصاد. فقد بدأ المشروع الأوروبي عام 1951 بدمج قطاعي الفحم والصلب قبل أن يتطور لاحقاً إلى اتحاد أوسع، بهدف جعل الحرب بين فرنسا وألمانيا خياراً بالغ الكلفة. كما قدمت رابطة «آسيان» نموذجاً مختلفاً، حين جعلت التجارة والنمو الاقتصادي خط الدفاع الأول عن استقرار الإقليم، مع احتفاظ كل دولة بسيادتها الكاملة.
وتملك دول الخليج من عناصر التكامل ما يؤهلها لبناء نموذجها الخاص، وفي مقدمة ذلك تشابه أولوياتها التنموية، وترابط اقتصاداتها، وامتلاكها بنية تحتية واستثمارات سيادية قادرة على تحويل التكامل من خيار سياسي إلى مصلحة اقتصادية مستدامة.
ويُعد الربط الكهربائي الخليجي أحد أنجح النماذج التطبيقية للتكامل الوظيفي في المنطقة، إذ أسهم في رفع موثوقية الإمدادات الكهربائية، وحقق وفورات اقتصادية تجاوزت ثلاثة مليارات دولار، مؤكداً أن المشروعات المشتركة قادرة على إنتاج قيمة استراتيجية تتجاوز أهدافها الفنية.
وإذا كان دمج الفحم والصلب قد غيّر معادلة الأمن في أوروبا، فإن الخليج اليوم يمتلك فرصة لبناء معادلته الخاصة، بتحويل الترابط الاقتصادي إلى ركيزة للاستقرار الإقليمي.
إذا استمرت الاتجاهات العالمية الراهنة، فإن العقد المقبل قد يشهد انتقال مراكز الثقل في الأمن الإقليمي من القواعد العسكرية وحدها إلى شبكات الطاقة والبيانات والموانئ والممرات اللوجستية.
وحينها لن تكون هذه الشبكات مجرد أدوات للتنمية، بل ستصبح جزءاً من منظومة الأمن، لأن استهدافها سيُلحق أضراراً مباشرة بالمصالح الاقتصادية لجميع الأطراف.

لقد غيّر عصر الجيو-اقتصاد مفهوم القوة، فأصبح الأمن يقاس بقدرة الدول على بناء منظومات مترابطة تجعل الاستقرار مصلحة مشتركة. ولعل أول خط دفاع عن الخليج في العقود المقبلة لن يكون قاعدة عسكرية جديدة، بل شبكة كهرباء مترابطة، ومنصة بيانات سيادية، وممرات لوجستية موحدة لا يستطيع أي طرف تعطيلها دون أن يدفع ثمناً اقتصادياً باهظاً. وهكذا، فإن إعادة تعريف الأمن الخليجي لم تعد خياراً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية يفرضها عالم تتزايد فيه قيمة الترابط أكثر من قيمة المواجهة.

 

مقال للكاتب: د. عبدالله الخياط في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى