مقالات

حرب 2026.. بداية جديدة للحضور الأمريكي في الخليج العربي

أ.د/ عبد الخالق عبد الله عبد الرحمن

حرب 2026

 

 

 

فجأة ازداد الحديث عن خروج أمريكا من الخليج العربي كإحدى أبرز نتائج حرب 2026 على إيران؛ وظهرت أصوات تقول إن أمريكا، التي لم تتمكن من حماية قواعدها ومنشآتها العسكرية، لن تستطيع حماية دول الخليج العربي التي تستضيف هذه القواعد. وذهب بعضهم أبعد من ذلك معلنًا أن أيام أمريكا في الخليج أصبحت معدودة، وأن واشنطن تناقش إغلاق قواعدها،وإدارة ظهرها للشرق الأوسط بأكمله.

وتحول هذا الحديث سريعًا إلى يقين جديد (Conventional Wisdom) يردده الخبراء، ويتقبله عامة الناس، وكأنه حكم نهائي ومسلّمة جديدة لا تقبل الشك، أو التشكيك.

ولكن الحديث عن خروج أمريكا من الخليج سابق لأوانه؛ ولا ينبغي أخذه على علّاته؛ فحرب 2026 لا تشكل قطيعة مع الوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي، بل قد تؤسس لمرحلة جديدة منه، بثوابت قديمة، وترتيبات جديدة، وربما بحضور أعمق وأكثر تكيفًا مع متغيرات المنطقة؛ فخطر إيران على المصالح الأمريكية العميقة في المنطقة لا يزال قائمًا، وخطرها على إسرائيل لم يتراجع، وتهديدها لسلامة الملاحة في مضيق هرمز أصبح أكثر وضوحًا. أما تهديدها لأمن الطاقة واستقرار دول الخليج؛ فلا يحتاج إلى مزيد من التأكيد بعد الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات على ست دول خليجية لأكثر من شهرين.

كل ذلك يشكل دوافع ملحّة لبقاء أمريكا في المنطقة حتى إشعار آخر، ويؤكد أن الحضور الأمريكي في الخليج جاء ليبقى. لن تغادر أمريكا والمنطقة تواجه تهديدًا مستمرًّا في مضيق هرمز؛ ولن تغادر إذا قررت إيران إحياء برنامجها النووي؛ ولن تترك فراغًا أمنيًّا يمنح طهران فرصة للتحول إلى شرطي الخليج؛ يقرر مصيره، ويفرض شروطه، والأهم أنها لن تغادر الخليج لتمنح الصين فرصة ذهبية للدخول إلى منطقة أصبحت جزءًا أساسيًّا من التنافس الأمريكي-الصيني على زعامة العالم في القرن الحادي والعشرين.

كما أن الخليج العربي نفسه تغير، ولم يعد مجرد مصدر للنفط كما كان قبل نصف قرن؛ فقد أصبح -بأسواقه الضخمة، وصناديقه السيادية التريليونية،ومراكزه المالية، وموانئه، واستثماراته الضخمة في مشروعات الذكاء الاصطناعي وشركاته العابرة للقارات- أكثر أهمية من أي وقت، خاصة بعد أن عزز مكانته مركزَ ثقل مالي ودبلوماسي ولوجستي إقليميًّا وعالميًّا، وبهذه الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لا تستطيع واشنطن التفريط في دول الخليج العربي؛ بل إنها حريصة على رفع مستوى التعاون معها، بما في ذلك التعاون العسكري والأمني.

الاهتمام الأمريكي بالخليج ليس جديدًا؛ إذ بدأ الحضور العسكري الأمريكي يتبلور منذ الانسحاب البريطاني من المنطقة عام 1971، في ظل الخوف من تمدد النفوذ السوفييتي. واعتمدت واشنطن حينها سياسة العمودين المتوازيين (Twin Pillars)، مستندة إلى إيران الشاه والسعودية لحماية أمن الخليج، مع استعداد الشاه للقيام بدور شرطي الخليج.

وقد سقطت تلك السياسة مع سقوط الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979. ومنذ اللحظة الأولى برزت إيران الثورة بخطابها الراديكالي والتوسعي والمعادي لأمريكا بوصفها أكبر تحدٍّ لأمن الخليج والطاقة.

وهنا بدأت مرحلة مختلفة من السياسة الأمريكية، انتقلت فيها واشنطن تدريجيًّا من الحضور غير المباشر إلى الحضور العسكري المباشر؛ وجاءت عقيدة كارتر مطلع 1980 لتؤكد استعداد أمريكا لاستخدام القوة لحماية مصالحها الحيوية في الخليج. ثم تضاعف الوجود العسكري بعد حرب تحرير الكويت عام 1991، الذي ترسخ عبر شبكة واسعة من القواعد والمنشآت العسكرية، من قاعدة العديد في قطر إلى الأسطول الخامس في البحرين، والمنشآت الأمريكية في الكويت وبقية دول الخليج، إلى جانب عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في المنطقة شمالًا وجنوبًا.

ولكن القواعد ليست الثابت الوحيد في العلاقة العسكرية الخليجية-الأمريكية؛ إذ هناك ثابت آخر لا يقل أهمية: السلاح الأمريكي؛ فعلى مدى عقود أصبحت دول الخليج من أكبر المشترين للسلاح الأمريكي، واليوم تبدو الحاجة إليه أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. وربما كان أهم درس عسكري خليجي من حرب 2026 أن السلاح الأمريكي لا يزال بلا بديل حقيقي في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي والمقاتلات المتطورة.

لقد أثبتت منظومات مثل باتريوت و(THAAD) أهميتها خلال المواجهة مع إيران، فيما لا تزال المقاتلات الأمريكية في قلب القدرات الجوية الخليجية، وتسعى دول خليجية إلى الحصول على المزيد من أحدث التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، بما فيها مقاتلات (F-35).

صحيح أن عقيدة كارتر بصيغتها النفطية القديمة انتهت عمليًّا عندما تراجعت حاجة أمريكا المباشرة إلى نفط الخليج، ولكن ذلك لا يعني انتهاء الحاجة الاستراتيجية الأمريكية إلى الخليج. ربما نحن أمام تأسيس نسخة جديدة: عقيدة كارتر 3.0، أو حتى عقيدة ترامب للخليج، لا تقوم على النفط وحده، بل على أمن مضيق هرمز، وردع إيران، وحماية الحلفاء، وتزويدهم بأحدث الأسلحة، ومنع الفراغ الاستراتيجي، والأهم احتواء تمدد الصين.

ولذلك فإن كل الحديث عن نهاية الوجود الأمريكي في الخليج والشرق الأوسط سابق لأوانه؛ ذلك أن أمريكا قوة عظمى تخوض صراع القرن على زعامة العالم، ولا يمكنها الانسحاب من منطقة بهذه الأهمية وتركها لمنافسيها.

والأهم أن العلاقة الأمريكية بدول الخليج، عسكريًّا واستراتيجيًّا واستثماريًّا، لم تضعف، بل أصبحت أكثر تشابكًا. وإذا كان هناك درس خليجي واضح من حرب 2026، فهو أنه لا بديل حاليًّا للسلاح الأمريكي، ولا بديل للحضور العسكري الأمريكي، ولا بديل للتعاون الدفاعي والأمني مع واشنطن.

وحرب 2026 ليست نهاية الحقبة الأمريكية في الخليج، إنها على الأرجح بداية مرحلة جديدة من الحضور الأمريكي، بثوابت قديمة، وضرورات استراتيجية جديدة.

 

مقال للدكتور: عبد الخالق عبد الله عبد الرحمن في منصة مفكرو الإمارات.

زر الذهاب إلى الأعلى