مقالات

الأسرة.. ركن الوطن الأول

صبحة الراشدي

الأسرة

 

 

منذ أقدم العصور، منذ أن نظر الفلاسفة إلى الإنسان ومجتمعه، أدرك أرسطو أن الأسرة هي أول اجتماع طبيعي للإنسان، ومنها تتشكل المجموعة، ثم المجتمع، وصولاً إلى الدولة. فالأسرة في نظره ليست مجرد اجتماع لأفراد تربطهم صلة، بل هي أيضاً اللبنة الأولى التي يبدأ منها البناء الاجتماعي.
ولعل هذا المعنى يضعنا أمام حقيقة أعمق: فالأسرة ليست بيتاً يجمع أفراده فحسب، بل هي الركن الأول الذي تتشكل فيه قيم الإنسان، ومنها يبدأ تماسك المجتمع، ومن تماسك المجتمع تبدأ قوة الوطن.
فما أعظم نجاح تُبنى أركانه على بيانٍ متماسك، وما أجمل قوام يقوم على سلامةٍ، أساسُه المقاصد، ووضوح ملامحه، ودقّة تفاصيله، واتزان رؤيته؛ الأسرة هي الركيزة التي تُبنى عليها الأوطان، ومن هذا المنطلق أولت حكومتنا الرشيدة الأسرة عنايةً كبيرة.

وركّزت على بيان مكانتها، وتعزيز تماسكها، والاهتمام بكافة أركانها، حتى جاء إعلان عام 2026 عاماً للأسرة، بما يحمله من تأكيدٍ على أن الأسرة ليست شأناً خاصاً فحسب، بل هي أساسٌ في بناء مجتمع متماسك، ومستقبل أكثر استقراراً، إلى جانب دعم المؤسسات الوطنية لتفعيل برامج ومبادرات متنوعة تعزّز مسيرة هذا التوجه.

فالأسرة، ليست جزءاً من نجاح المجتمع فحسب؛ إنها اللبنة الأولى في نجاحه، ونجاحها انعكاس لنجاحنا نحن. وأياً كان موقعك بين أركانها، وأياً كان دورك فيها، تذكّر أن سلامة هذا الركن ليست مسؤولية طرف واحد، بل مسؤولية كل من ينتمي إليه.
فالأب، والأم، والأبناء، وكل فرد داخل هذه المنظومة، له أثره في تماسكها وسلامتها. ومن هنا، فإن الحديث عن الأسرة ليس حديثاً عن الماضي أو الحاضر فقط، بل هو حديث عن مستقبل مجتمع بأكمله؛ لأن ما نزرعه في بيوتنا اليوم، سنراه غداً في سلوك أبنائنا، وفي تماسك مجتمعنا، وفي قوة وطننا.

وفي هذا المعنى تتجلى الرؤية الحكيمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حين قال: «الأسرة أساس أي مجتمع قوي، والأسرة تقع في صميم منظومة الأمن الوطني بمفهومها الشامل»، وهي عبارة حكيمة تختصر الكثير من المعاني الوطنية الجليلة؛ فحين نحافظ على الأسرة.
ونصون أركانها، ونمنحها ما تستحقه من اهتمام ورعاية، فإننا لا نحمي بيتاً فحسب، بل نحمي مجتمعاً كاملاً، ونرسّخ أمناً شاملاً، ونبني وطناً عزيزاً، أكثر قوة وتماسكاً. فالأسرة ليست بداية الحكاية فحسب… بل هي الركن الذي يبدأ منه الوطن. ومن أراد مجتمعاً قوياً، فليبدأ من أسرته. ومن أراد وطناً آمناً ومتماسكاً، فليحافظ على البيت الذي يبدأ منه الوطن.

 

مقال للكاتبة: صبحة الراشدي في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى