
إن الخطاب الديني في أوقات الأزمات مسؤولية عظيمة وأمانة كبيرة، تتضاعف أهميته حين تشتد الأحداث، وتزداد التوترات، وتكثر الأخبار والتحليلات، وتصبح النفوس أكثر تأثراً بما تسمع وترى، فتكون الحاجة أشد إلى الكلمة الواعية، والخطاب الرصين الذي يصدر عن علم وحكمة، وبالأخص في مجال الخطاب الديني، لمكانته الكبيرة في النفوس، وشدة تأثيره في القلوب والعقول.
وقد جاءت شريعتنا الغراء بمنهج رفيع في مخاطبة الناس، أساسه العلم والحكمة والبصيرة، قال الله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}، فالحكمة ميزان دقيق للكلمة، يراعي مضمونها وطريقتها وتوقيتها وآثارها، ويجعل صاحب الخطاب مدركاً أن صحة ما يقوله ترتبط كذلك بحسن تنزيله على الواقع، وفهم أحوال الناس، والنظر في مآلاته وعواقبه، وفي النوازل العامة تتأكد هذه المعاني، لأن المواقف تتباين، والمعلومات تتدفق، والعواطف تشتد، والشائعات تنتشر، فتكون الحاجة أعظم إلى التثبت والتأني وفقه المآلات وحسن فهم الواقع.
ومن أهم ما يحتاجه المتخصص في الخطاب الديني عند تناول الأزمات أن يميز بين مجالات الكلام وأنواعه، فبيان الحكم الشرعي له أدواته وضوابطه، والفتوى لها شروطها واعتباراتها، والموعظة لها مقصدها، والتعليق على الأحداث له مجاله، والتحليل السياسي أو الأمني له أهله وخبراؤه، والخلط بين هذه المسارات يوقع في اضطراب كبير، وقد يقدم الإنسان رأيه الشخصي في صورة حكم شرعي، أو يجعل من الاحتمال يقيناً، أو يوظف النص في واقعة لم تستكمل صورتها.
وقد نبه القرآن الكريم إلى منهج دقيق في التعامل مع الأخبار ذات الصلة بالشأن العام، فقال سبحانه: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}، ففي الآية توجيه عظيم إلى ضبط نشر الأخبار، ورد الأمور المهمة إلى أهل العلم والاستنباط، وبالأخص ما يتصل بالأمن والخوف وأحوال المجتمع، وهذا أصل ينبغي أن يستحضره صاحب الخطاب الديني، فلا يبني موعظته أو موقفه على أخبار لم تثبت، ولا يسبق الجهات المختصة في القضايا الحساسة، ولا يجعل المنبر مجالاً لتداول كل ما يسمع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع».
وفي العصر الرقمي أصبحت جودة سبك الخطاب الديني تشمل كذلك فقه الوسيلة التي ينقل من خلالها، فالمقال يختلف عن الخطبة، والمقطع القصير يختلف عن المحاضرة المطولة، والمنشور المختصر قد لا يحتمل من التفصيل والقيود ما يحتمله البحث العلمي، ولذلك قد يكون الاختصار المخل سبباً في تشويه المعنى، كما قد يؤدي اقتطاع الجملة من سياقها إلى حملها على معنى آخر، ومع تقنيات الذكاء الاصطناعي وسهولة صناعة المحتوى تتأكد مسؤولية المتخصص في توثيق ما ينقل، وبيان مصادره، وتحري السياق، وصياغة رسالته بصورة تمنع الالتباس قدر الإمكان، حتى تبقى الوسائل الحديثة جسوراً لنشر العلم والوعي، لا منافذ لفوضى الأقوال والفتاوى.
ومن المهم كذلك أن يفرق صاحب الخطاب بين القطعي والظني، وبين الثابت والمتغير، وبين ما استقر لديه وما يزال موضع بحث ونظر، فالأمانة العلمية تقتضي أن يعبر عن درجة علمه بالمسألة كما هي، وأن يتجنب الجزم فيما يحتمل، وأن يراجع كلامه إذا ظهرت معطيات جديدة تغير صورة النازلة أو تؤثر في الحكم عليها، ومثل هذا المسلك يعكس رسوخاً علمياً ونضجاً مهنياً.
وقد أولت دولة الإمارات عناية كبيرة بتنظيم الشأن الديني والإفتائي، وترسيخ المرجعية الشرعية المؤسسية، وتعزيز منهج الاعتدال والوسطية، والعناية بفقه الواقع ومراعاة المآلات، وهو نهج يعزز جودة الخطاب ويصون المجتمع من فوضى الفتاوى والأقوال المتعارضة، وإن وجود المؤسسات الشرعية المتخصصة، وما تضمه من علماء وخبرات وكفاءات، يحقق التكامل والتشاور والنظر الجماعي في القضايا الكبرى.
إن فقه الخطاب الديني في زمن الأزمات باب مهم من أبواب المسؤولية الشرعية، يحتاج إلى رسوخ في العلم، وفقه بالنصوص والمقاصد، ودقة في تصور الواقع، وحسن في اختيار العبارة، وبصيرة بالمآلات، واحترام للاختصاص، ووعي بطبيعة الوسائل الحديثة، حتى تخرج الكلمة منضبطة في معناها ومبناها وأثرها، وكلما عظم أثر المتحدث اتسعت دائرة أمانته، وكان أحوج إلى التثبت والمراجعة وحسن التقدير، ليبقى الخطاب الديني مصدراً للسكينة والوعي، وحفظ المصالح، وتعزيز تماسك المجتمعات واستقرار الأوطان.
مقال للكاتب: أحمد محمد الشحي في صحيفة البيان.



