
لم يكن الخلاف بين إيران ومحيطها، وبينها وبين العالم، معقّداً كما هو اليوم. فقبل الحرب، كان النزاع يتمحور حول الملف النووي، وهو ملف تقني – سياسي يمكن ضبطه عبر تفاهمات محددة، وآليات تفتيش، وجداول زمنية، ورفع تدريجي للعقوبات. ورغم التوترات المتكررة، ظلّ الخلاف محصوراً في إطار يمكن التفاوض عليه، ويمكن احتواؤه عبر قنوات دبلوماسية أو ضغوط اقتصادية محسوبة. لكن الحرب الأخيرة لم تغيّر فقط طبيعة الخلاف، بل غيّرت البيئة التي يُدار فيها هذا الخلاف، ووسّعت نطاقه ليشمل ملفات لم تكن جزءاً من طاولة التفاوض سابقاً، ما يجعل أي اتفاق جديد هشاً بطبيعته، لأنه يحاول معالجة واقع أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل الحرب.
لقد تحوّل الخلاف من ملف نووي إلى شبكة صراعات متداخلة. فاليوم، لم يعد السؤال: هل تقبل إيران بقيود على برنامجها النووي؟ بل أصبح السؤال: كيف يمكن ضبط سلوك دولة باتت تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً ممتداً في العراق وسوريا ولبنان واليمن؟ وكيف يمكن ضمان أمن الممرات البحرية في الخليج بعد أن أثبتت الحرب أن مضيق هرمز يمكن أن يتحول في ساعات إلى نقطة اختناق عالمي؟ وكيف يمكن فصل القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة عن أي اتفاق، وهي قدرات أثبتت الحرب أنها جزء من معادلة الردع الإيرانية؟ هذه الأسئلة لم تكن مطروحة قبل الحرب بهذا الشكل، ولذلك فإن أي اتفاق اليوم سيكون هشاً لأنه يحاول معالجة نتائج حرب لم تُحسم وصراعات لم تُغلق وتوازنات لم تستقر.
ومن التحولات العميقة التي فرضتها الحرب، تغيّر الموقف الخليجي تجاه إيران. فقبل الحرب، كانت درجة الثقة الخليجية في النظام الإيراني متفاوتة بين دولة وأخرى، وكانت هناك قنوات مفتوحة ومساحات للحوار ومقاربات مختلفة في التعامل مع طهران. لكن الحرب غيّرت هذا المشهد جذرياً. فقد أدت الهجمات على البنية التحتية، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف السفن والمنشآت الحيوية، والتصعيد غير المحسوب الذي طال دولاً لم تكن طرفاً في النزاع، إلى وصول دول الخليج إلى قناعة مشتركة بأن النظام الإيراني غير قابل للثقة، وأن أي اتفاق معه سيكون هشاً ما لم يتغيّر سلوكه الإقليمي جذرياً. هذا التحول سيُعمّق عزلة إيران مع جارها العربي، ويجعل أي تقارب مستقبلي أصعب وأبطأ وأكثر مشروطية، لأن الثقة التي فُقدت لم تكن ثقة سياسية فقط، بل ثقة أمنية واقتصادية واستراتيجية.
وفي ظل هذا المناخ، تبدو الهدنة الحالية استراحة تكتيكية أكثر منها نهاية للحرب. فهي هدنة فرضتها الحاجة لا القناعة. الولايات المتحدة تريد تهدئة تمنع انفجاراً جديداً في الخليج، وإيران تريد اعترافاً بدورها الإقليمي وبسيادتها على هرمز، ودول الخليج تريد استقراراً يمنع تكرار سيناريو الهجمات على منشآتها الحيوية، وأوروبا تريد حماية إمدادات الطاقة، والصين تريد ضمان تدفق التجارة عبر الممرات البحرية. هذه المصالح المتعارضة تجعل الاتفاق قابلاً للانهيار عند أول اختبار، لأن كل طرف يدخل إليه من زاوية مختلفة، ويحمل معه حسابات لا تتطابق مع حسابات الآخرين.
وتزداد هشاشة الاتفاق عندما نضيف ملف إعادة الإعمار، وهو ملف ثقيل سياسياً واقتصادياً. فالحرب خلّفت دماراً واسعاً في البنية التحتية الإيرانية، وفي المنشآت النفطية، والموانئ، وشبكات الكهرباء، والمناطق الصناعية. وتشير تقديرات أولية، بناءً على نماذج مشابهة، إلى أن كلفة إعادة الإعمار قد تتجاوز 250 إلى 300 مليار دولار خلال عشر سنوات. لكن السؤال الأكبر: من سيدفع؟ إيران لا تملك القدرة المالية، والولايات المتحدة لن تموّل إعادة إعمار خصمها، ودول الخليج لن تغامر بتمويل دولة فقدت الثقة بها، والصين وأوروبا لن تستثمرا دون ضمانات سياسية وأمنية. وهكذا يصبح ملف إعادة الإعمار جزءاً من هشاشة الاتفاق، لأنه يضيف عبئاً اقتصادياً لا يملك أحد استعداداً لتحمّله، ويجعل أي تفاهم سياسي ناقصاً ما لم يُرفق بخطة اقتصادية واضحة.
وتزداد الصورة تعقيداً عندما نضيف إلى ذلك محاولة إيران ربط إعادة الإعمار بفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز.
ولا يمكن فهم هشاشة الاتفاق دون النظر إلى التحول في صورة الولايات المتحدة بعد الحرب. فالحرب لم تغيّر إيران فقط، بل غيّرت أيضاً صورة واشنطن لدى حلفائها وخصومها.
أما أسواق الطاقة، فهي المرآة الأكثر حساسية لأي اتفاق أو انهيار اتفاق. فالحرب أثبتت أن أمن الطاقة لم يعد مرتبطاً فقط بالإنتاج، بل بالممرات البحرية، وبالاستقرار السياسي، وبقدرة الدول على حماية منشآتها الحيوية.
في المحصلة، الاتفاق الذي يُناقش اليوم ليس اتفاقاً نووياً، بل اتفاق ما بعد الحرب. اتفاق يعالج النفوذ الإقليمي، وأمن الممرات البحرية، ومستقبل مضيق هرمز، والقدرات الصاروخية، وإعادة الإعمار، والثقة الخليجية، وصورة الولايات المتحدة، وتوازنات الطاقة. وهذا ما يجعله هشاً، لأنه يحاول أن يضع نهاية لصراع لم ينتهِ، وأن يبني استقراراً على أرض لم تستقر بعد.
مقال للكاتب: د. عبدالله بلحيف النعيمي في صحيفة الخليج.



