مقالات

الامتداد الحضاري والإنساني

الامتداد الحضاري والإنساني  د. موزة غباش

أحياناً أشعر أن أخطر ما يواجه الإنسان الحديث ليس الحروب، ولا الأزمات الاقتصادية، ولا حتى تسارع التكنولوجيا، بل ذلك التآكل البطيء الذي يصيب روحه حين يفقد علاقته بمعناه الأول.

 

العالم اليوم يربي الإنسان على السرعة، على الاستهلاك، على العيش فوق السطح، حتى أصبح كثيرون يعرفون كيف يستخدمون كل شيء، لكنهم يجهلون كيف يفهمون أنفسهم..

ولهذا أرى أن سؤال التراث في الإمارات لم يعد سؤالاً ثقافياً تقليدياً، بل أصبح سؤالاً يتعلق ببقاء التوازن الداخلي للإنسان، وسط هذا الضجيج الكوني الهائل.

كعالمة اجتماع أرى أن هناك مجتمعات كاملة تدخل مرحلة تشبه التيه الحضاري.. مدن متشابهة، أزياء متشابهة، موسيقى متشابهة، لغة بصرية واحدة، تبتلع الفروق الدقيقة بين الشعوب، حتى بدا العالم وكأنه ينتج نسخاً بشرية متكررة، تتحرك بسرعة، وتستهلك بسرعة، وتنسى بسرعة أيضاً، ولكن أيضاً، وفي المقابل، ووسط هذا المشهد، تبدو الإمارات وكأنها تخوض معركة هادئة لحماية روح الإنسان، قبل حماية التراث نفسه..

 

فالقضية هنا أعمق من حفظ مبنى قديم، أو عرض قطعة أثرية خلف الزجاج، بل تتعلق بحماية الإحساس الداخلي بالانتماء، ذلك الإحساس الذي يمنح الإنسان ثباته النفسي، وقدرته على مواجهة العالم، دون أن يفقد ملامحه.

ولهذا تتمسك الإمارات بذاكرتها بكل هذا الوعي، من خلال قراءة عميقة للمستقبل، فالدول التي تفقد ذاكرتها، تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج شخصيتها الخاصة، وتتحول مع الوقت إلى مجتمعات مستهلكة لثقافات الآخرين..

 

أما دولة الإمارات، فتمضي بحمد الله، في ظل رؤى وتوجيهات القيادة الحكيمة، في اتجاه مختلف تماماً، تبني أكثر مدن العالم تطوراً، وتفتح أبواب الفضاء والذكاء الاصطناعي والطاقة المتقدمة.

وفي الوقت ذاته، تعود بالطفل إلى البحر، وإلى الحرفة، وإلى القصيدة وإلى المجلس، وكأنها تقول له بهدوء: المستقبل يحتاج جذوراً قوية، بقدر حاجته إلى أجنحة.

وأعتقد أن هذا الفهم بالتحديد، هو ما يمنح التجربة الإماراتية خصوصيتها.. ففي كثير من دول العالم، تحولت الهوية إلى مادة استعراضية موسمية، ترتدى في الاحتفالات ثم تعاد إلى الرفوف..

 

أما هنا لدينا، فالهوية تتحرك داخل الحياة اليومية نفسها.. طريقة السلام، حضور القهوة، مفردات اللهجة، احترام الكبير، شكل المجالس، الحرف اليدوية، الأغاني البحرية، كلها عناصر ما زالت تعيش داخل المجتمع، كجزء من سلوكه الطبيعي، وهذا ما يجعل الإنسان الإماراتي يشعر بأن تراثه يخصه هو شخصياً، ويعيش داخله كل يوم.

وأرى أن أخطر أشكال الفقر في عصرنا الحالي، هو فقر المعنى، فالإنسان المعاصر يمتلك كل وسائل الراحة تقريباً، لكنه يعيش قلقاً متصاعداً، وعزلة خانقة، وشعوراً دائماً بالفراغ.

 

ومع أن التكنولوجيا اختصرت المسافات، لكنها وسّعت المسافة بين الإنسان ونفسه.. ولهذا يبدو تمسك الإمارات بالتراث أقرب إلى مشروع لإعادة التوازن النفسي والاجتماعي، لأن الإنسان حين يعرف جذوره جيداً، يصبح أكثر قدرة على فهم موقعه في العالم، وأكثر قدرة على مقاومة الذوبان داخل هذا التدفق العالمي المتشابه.

ومن هنا، يمكن فهم التحول الكبير الذي أحدثته الإمارات في مفهوم المتحف، فالمتحف عالمياً ارتبط طويلاً بالصمت، بالممرات الباردة، وبالقطع التي ينظر إليها الزائر ثم يغادر سريعاً..

 

لكن في الإمارات، تم تحويل المتحف إلى تجربة حياة كاملة، فيدخل الطفل المتحف فيجد الصوت، والصورة، والرائحة، والحكاية، والحركة، وكأنه يدخل إلى الزمن نفسه.. لذلك، فإن المتحف الإماراتي يعيد خلق الإنسان الذي عاش تلك المرحلة، وأن يحفظ روحها.

الإمارات أدركت مبكراً ما بدأ العالم يكتشفه متأخراً، أن الإنسان الذي ينفصل عن ذاكرته، يصبح أكثر هشاشة أمام أي أزمة.. ولهذا يأتي كل هذا الاستثمار الكبير في الثقافة والمتاحف والموروث الشعبي والعمارة التاريخية والتاريخ الشفهي.. فالمسألة تتعلق ببناء مناعة حضارية طويلة المدى، تجعل المجتمع أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على حماية نفسه نفسياً وفكرياً وإنسانياً.

 

ولعل أكثر ما يلفتني أن الإمارات استطاعت تجاوز ذلك الصراع التقليدي بين الأصالة والحداثة.. فلم تضع التراث في مواجهة المستقبل، ولم تتعامل مع التكنولوجيا كبديل عن الهوية، بل صنعت بينهما علاقة ناضجة ومتوازنة..

 

ولهذا يبدو المشهد الإماراتي مختلفاً بكل تفاصيله، مركبة فضائية تنطلق إلى المريخ، وإلى جوارها طفل يتعلم السدو، ومتحف يستخدم الذكاء الاصطناعي لإحياء الحكايات الشعبية، ومدينة رقمية تحتفظ في قلبها بالمجلس ورائحة العود وصوت البحر.

هذه القدرة على الجمع بين الامتداد الحضاري والامتداد الإنساني، هي ما يمنح الإمارات كل هذا الثبات.. فالدول الكبرى تُقاس أحياناً بحجم اقتصادها، أو قوتها العسكرية، أو تقدمها التقني، لكن هناك نوعاً آخر من القوة أكثر عمقاً واستمراراً.. قوة المجتمع الذي يعرف نفسه جيداً، ويحمل ذاكرته بثقة، ويتحرك نحو المستقبل، دون أن يفقد صوته الداخلي.

 

مقال للكاتبة: د. موزة غباش في صحيفة البيان.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى