راشد نبيل الحمر
في كل مرة تُشعل فيها إيران فتيل أزمة أو تُلوّح بصواريخها، يتأكد للعالم أن المشكلة ليست مجرد خلافات سياسية أو نزاعات نفوذ، بل عقلية مأزومة ترى في الاستقرار الخليجي تهديداً وجودياً لمشروعها القائم على الفوضى والتوتر.
فحين تنظر طهران إلى دول مجلس التعاون، لا ترى مدناً تنهض، ولا اقتصادات تزدهر، ولا شعوباً تنعم بالأمن والاستقرار، بل ترى مرآة تعكس فشلها الداخلي وانهيار نموذجها القائم على العداء والعزلة.
ولعلّ الاعتداء الجبان الأخير الذي استهدف محيط محطة براكة للطاقة النووية السلمية في دولة الإمارات العربية المتحدة الحبيبة يكشف بوضوح خطورة هذا النهج المارق، ويعري حقيقة العقلية التي لا تقيم وزناً لأمن المدنيين ولا لحساسية المنشآت الحيوية.
فاستهداف منشأة سلمية بهذا الحجم، ذات أهمية استراتيجية وتنموية، لا يمكن قراءته إلا باعتباره رسالة عدائية متهورة تكشف استخفافاً خطيراً بعواقب أي تصعيد قد يهدد أرواح الأبرياء ويزعزع أمن المنطقة بأسرها. إن مثل هذه الأفعال لا تصدر عن دولة تبحث عن الاستقرار، بل عن عقلية مأزومة ترى في التنمية الخليجية خصماً يجب إرباكه وتعطيله.
لم يكن عبثاً أن تتجه الصواريخ الإيرانية وتهديداتها نحو الخليج العربي، فدول المجلس اختارت طريق البناء، بينما اختارت إيران طريق الخراب، اختارت التنمية فيما اختارت طهران التسلح والمغامرات، اختارت صناعة المستقبل فيما أهدرت إيران ثرواتها في تصدير الأزمات وتمويل الفوضى. وبينما كانت عواصم الخليج تبني الموانئ والمدن الذكية والاقتصادات المتنوعة، كانت إيران تغرق أكثر في اقتصاد متهالك أثقلته العقوبات وابتلعته سياسات الكراهية والعداء.
إيران اليوم تبدو وكأنها تريد أن تمارس سياسة «الأرض المحروقة»؛ فإذا عجزت عن النهوض بنفسها، أرادت أن تُسقط الجميع معها في مستنقع الفوضى، لكنها تصطدم بحكمة خليجية راسخة، تدرك أن الانجرار وراء الاستفزازات ليس بطولة، وأن حماية الأوطان لا تعني التفريط بالعقل، دون أن يكون ذلك على حساب الحق المشروع في الرد والدفاع عن السيادة والأمن.
لكن على إيران أن تدرك جيداً أن صبر دول الخليج وحكمتها لا ينبغي أن يُفسَّرا ضعفاً، وأن الحِلم الذي مارسته هذه الدول لعقود حفاظاً على أمن المنطقة واستقرارها ليس عجزاً عن الرد، بل سموّ دولة وثقة قوة. فالأوطان التي بنت المجد بالحكمة قادرة أيضاً على حمايته بالحزم عندما تُفرض المواجهة.
ومن يراهن على إنهاك الخليج أو كسر إرادته واهم؛ لأن دولاً صنعت المعجزات من قلب الصحراء، وشيدت نموذجاً عالمياً في التنمية والازدهار، تعرف متى تمد يد السلام، لكنها تعرف أيضاً كيف تجعل من يعتدي يدفع الثمن حين يبلغ الصبر منتهاه. فليحذر دعاة الفوضى والخراب… فليحذروا الحليم إذا غضب فإن غضبه لا يُستهان به، ومن يعبث بأمن الخليج قد يكتشف متأخراً أن الحكمة إذا نفدت، جاء الرد بحجم الكبرياء الذي حاول المساس به.
حفظ الله قيادات دول مجلس التعاون، وأعانهم على حمل مسؤولية شعوبهم وصون أمنها واستقرارها، وعلى تحمّل أذى جارٍ أرهق المنطقة بسياسات التوتر والعداء، فيما ظلّ همّهم الأول راحة الإنسان الخليجي، ورفاهيته، وصناعة مستقبل يليق بشعوب اختارت التنمية طريقاً، والكرامة نهجاً، والسلام قوةً لا ضعفاً.
مقال للكاتب: راشد نبيل الحمر في صحيفة البيان.