لن أعيش في جلباب أبي
د. يوسف الشريف
لم أكن أعرف أنني أعيش حياة ليست لي، إلا حين حاولت الخروج منها.
حينها فقط أدركت أن المشكلة لا تبدأ عندما نخطئ، بل عندما نُتقن الدور الذي لم نختره، وننجح في حياة صُمّمت لنا قبل أن نُسأل: من نريد أن نكون؟
نولد بلا تعريف، فيُسارع الآخرون لتعريفنا. هذا ذكي، ذاك هادئ، هذه مطيعة، ذاك يشبه أباه.
ومع الوقت، لا نكبر.. بل نُتقن النسخة. نسخة ترضي، تُكافأ، ويُصفَّق لها، لكنها لا تشبهنا.
فنعيش عمراً كاملاً ندافع عن صورة، لا عن ذات.
الخطر الحقيقي ليس في التربية، بل في تحويلها إلى قدر. أن يُربّيك أهلك بما عرفوه عنك، لا بما أنت قادر أن تكونه. وأن تُحب لأنك «كما ينبغي»، لا لأنك كما تشعر.
وحين تحاول الخروج عن النص، تُواجَه بالسؤال القاسي: «ما الذي أصابك؟ لقد تغيّرت».
التغيّر هنا لا يُنظر إليه كنجاة، بل كخيانة. خيانة للصورة، للراحة، للتوقعات.
ومع كل محاولة لإعادة تشكيل نفسك، يُعاد شدّك إلى الوراء: مرة باسم الحكمة، مرة باسم الخوف عليك، ومرة باسم «نحن نعرفك أكثر منك».
لكن الحقيقة المؤلمة أن أخطر سجن ليس المجتمع، بل الخوف الداخلي.
الخوف من أن تكتشف ذاتك الحقيقية، فلا تشبه ما أحبّوه فيك. الخوف من خسارة الامتيازات التي منحك إياها التكيّف: القبول، الأمان، الهدوء الكاذب.
إعادة تشكيل النفس ليست قراراً أنيقاً، ولا رحلة تطوير ذات. هي هدم بطيء، مؤلم، صامت.
أن تعترف بأنك عشت طويلاً بشخص مستعار، وأن الجرأة الحقيقية ليست في المواجهة، بل في الصدق.
لن أعيش في جلباب أبي. ولا في جلباب المجتمع. ولا في جلباب النسخة التي ارتاحوا لها.
قد أتعثر وأنا أبحث عن ذاتي، وقد أخسر كثيراً، لكن الخسارة الحقيقية.. أن أعيش عمراً كاملاً بشخص لم أكنه.
محامي وكاتب إعلامي
مقال للكاتب: د. يوسف الشريف في صحيفة الإمارات اليوم.



