
رغم كثرة الأصوات في صباحات العودة إلى المدارس، إلا أن جرس المدرسة له قرع خاص لا يمكن تجاهله، قرع يعلن بداية عام جديد من أعمار أبنائنا، عام يمضي سريعًا، وتبقى منه أشياء كثيرة لا تظهر في كشوف الدرجات ولا في سجلات الحضور والانصراف.
ولهذا، ومع قرع جرس المدرسة، ربما نحتاج إلى أن نتوقف قليلًا، ونرسل بعض الرسائل إلى الذين يعيشون ويصنعون التعليم كل يوم.
إلى الوزارة الموقرة.. وما سميتم وزارة إلا لما تحملون من حمل ثقيل، أنتم من تخططون للتعليم والمعلمين والمتعلمين وترسمون السياسات وتصنعون القرارات. اسمحوا للميدان بأن يكون حاضرًا، فهناك فرق بين أن تسمع وأن ترى، وبين أن يوصف لك وأن تلمس، وبين أن تقرأ وأن تجالس. لنجعل من الميدان بإداراته ومعلميه وطلبته وأولياء أمورهم شريكًا في صناعة القرار، وإذا أردنا تعليمًا أفضل، فلا بد أن نسمع أكثر ممن يعيشونه كل صباح.
إلى إدارات المدارس.. يجب أن تدركوا أن المدرسة ليست مبنى فقط، بل هي عالم كامل من البشر، معلمون لهم ظروفهم وطموحاتهم، وطلبة جاؤوا من بيئات وبيوت مختلفة، وأولياء أمور ينتظرون منكم أن تكونوا شركاء في تربية أبنائهم. اجعلوا الإدارة قبل كل شيء قيادة تشاركية. اسألوا قبل أن تحكموا، واستمعوا قبل أن تقرروا، وقيّموا قبل أن تعاقبوا، فالانضباط مهم، لكن القسوة ليست انضباطًا، والحزم مطلوب، لكن الحزم لا يعني أن يفقد الإنسان إنسانيته.
إلى المعلم الفاضل.. أنت أكثر من مجرد ناقل لمقرر واجب عليك الانتهاء منه قبل نهاية العام، يجب أن تعي حجم الأثر الذي تتركه في نفوس من يجلسون أمامك. قد يتذكر أحد طلابك إلى آخر عمره أنك قلت له يومًا: أنت تستطيع، وقد يتذكر سخريتك من إجابته كلما وقف أمام الناس وخاف أن يتكلم. لهذا، انتبه إلى كلماتك، فالمعلم لا يعلّم المادة التي يحملها في كتابه فقط، إنه يرشد طلابه كيف يختلفون، وكيف يسألون، وإن حاولوا وفشلوا كيف يعيدون المحاولة.
إلى الطلبة الأعزاء.. لا تدخلوا المدرسة بحثًا عن الدرجة وحدها، بل بحثًا عن أنفسكم. اعلموا أن المدرسة ليست مصنعًا لإنتاج نسخ متشابهة من البشر، أنتم لستم أرقامًا في كشف النتائج، ولستم مجموعًا من الدرجات، قد تكون موهبتكم في مكان لم يكتشفه الامتحان بعد، فلا تسمحوا لعلامة على ورقة بأن تختزل ما تتصورونه عن أنفسكم. تعلموا، واجتهدوا، واحترموا معلميكم، وكونوا منضبطين، وتحملوا مسؤولياتكم، لأن العالم أكبر من ورقة الأسئلة، وعند كل كبوة انهضوا وابدأوا من جديد.
إلى ولي الأمر الكريم.. أيها الأب، أيتها الأم، لا تجعلوا أبناءكم مشروع درجات، لا تقارنوا أبناءكم بقرنائهم، ولا تجعلوا نجاح الأخ الأكبر أو الزميل معيارًا للحكم.
الطالب لا يريد من البيت أن يكون امتدادًا آخر لغرفة الفصل، يحتاج إلى أن يجد لديكم مكانًا يعود إليه وهو مطمئن، فكونوا الامتداد الإيجابي للمدرسة، فكلا المكانين – البيت والمدرسة – تربية وتعليم.
إلى وسائل الإعلام.. أنتم لا تعكسون صورة التعليم فقط، أنتم تصنعون تلك الصورة أمام المجتمع، فتشوا عن قصص المدارس ذات المبادرات النوعية وعن المعلمين أصحاب الرسائل السامية وعن الطلبة ذوي المواهب المتفردة وعن ولي الأمر المثابر، واجعلوا من أنفسكم المصدر المسؤول الموثوق، فنحن نرى من خلالكم تلك المنجزات ونفاخر بها.
رسالة أخيرة.. – قبل أن يقرع جرس المدرسة – التعليم ليس قضية وزارة، ولا مدرسة، ولا معلم، ولا طالب، ولا ولي أمر، ولا حتى وسيلة إعلامية… التعليم هو المرآة التي نبصر عبرها ما سيكون عليه واقعنا غدًا من خلال ما نصنعه في حاضرنا اليوم.
مقال للكاتب: أحمد البيرق في صحيفة الخليج.



