مقالات

المشكلة ليست فيك

المشكلة ليست فيك  د. يوسف الشريف

 

في مرحلة ما من حياتك، قد تجد نفسك تحاول أكثر مما ينبغي. تراجع كلماتك قبل أن تُقال، تختار ملابسك بعناية زائدة، تعدّل نبرة صوتك، تخفّف رأيك، وتبالغ أحياناً في التبرير. ليس لأنك ضعيف، بل لأنك تريد أن تكون «مقبولاً». تعتقد أن أجمل ما فيك هو قدرتك على إرضاء الآخرين، وأن رضاهم شهادة جودة على شخصيتك.

لكن الغريب أن هذا الرضا لا يأتي، أو يأتي مؤقتاً، هشّاً، ومشروطاً. كلما ظننت أنك اقتربت، اكتشفت أن المسافة مازالت كما هي.

هنا تبدأ الحيرة، تسأل نفسك: هل قصّرت؟ هل أخطأت؟ هل أنا فعلًا كما يرونني؟

الحقيقة التي لا نحب سماعها هي أن الآخر لا يراك كما أنت، ولا يحكم عليك بميزانك. هو يراك من خلال نفسه، من خلال تجاربه، خيباته، مخاوفه القديمة، وطفولته التي لم تُشفَ، ومراحله التي لم تُغلق كما يجب.

نحن لا ننظر إلى الناس بعيونهم، بل بعيوننا. ولهذا، فإن كثيراً من تقييماتهم لنا ليست تقريراً عنا، بل انعكاس لما بداخلهم.

وهذا لا يعني أن كل رفضٍ ظلم، ولا أن كل تصرّفٍ مقبول، فبعض السلوكيات لا تُعجب فعلاً ولا تُقبل أصلاً، لكن الخلط بين الخطأ والقيمة الشخصية هو ما يرهق الإنسان، ويُفقده توازنه.

قد يراك شخص متعجرفاً لأن داخله مهزوز.

وقد يراك آخر بارداً لأنه لم يتعلّم يوماً كيف يعبّر.

وقد يراك ثالث ناقصاً لأنه اعتاد أن يقارن ليطمئن.

المشكلة ليست فيك، المشكلة في المرآة التي ينظرون منها.

حين تدرك هذه الحقيقة، يحدث التحوّل. تتوقف عن الشرح المفرط، وعن الاعتذار عن ذاتك، وعن إعادة تشكيل نفسك لتناسب أذواق الآخرين.

تفهم أن الرفض لا يعني خللاً، وأن القبول لا يعني كمالاً.

قيمتك لا تُقاس بعدد من صفق لك، ولا تُلغى لأن أحدهم لم يفهمك. قيمتك في أن تكون ثابتاً، صادقاً، متسقاً مع نفسك، ولو كنت وحدك في الصورة.

فإن حاولت كثيراً، وتغيّرت كثيراً، ومازالوا لا يرونك كما أنت.. توقف قليلاً، وانظر بهدوء، ربما المشكلة فعلاً ليست فيك، بل في أنهم لا يرون إلا أنفسهم.

 

محامي وكاتب إعلامي

مقال للكاتب: د. يوسف الشريف في صحيفة الإمارات اليوم.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى