مقالات
الجوار الإيراني.. الجغرافيا قدَر والسياسة اختيار

عبدالعزيز سلطان المعمري
في الأمثال العربية يقال «الجار قبل الدار»، وهذا يكشف عمق الوعي العربي القديم بأثر الجوار في حياة الإنسان واستقراره وأمنه. عند العرب للجار أهمية وحق عظيم، فالجار الصالح يعدّ مصدراً للعون والاستقرار والطمأنينة، أما جار السوء فعكس ذلك تماماً، بل يحوّل المكان الجميل إلى مصدر قلق.
وللأسف، الجغرافيا لا تمنح للدول حق اختيار جيرانها، فالدول بإمكانها أن تختار حلفاءها، وشركاءها، وتوجهاتها السياسية، لكن لا يمكنها اختيار من تجاور، لهذا كانت الجغرافيا السياسية أحياناً عبئاً في العلاقات الدولية، لأنها تفرض على الدول مواقف وتصرفات قد لا ترغب بها، وتجبرها أحياناً على التعايش مع بيئات معقدة ومضطربة.
بعض الدول تحظى بجوار وموقع جغرافي مستقر ومتعاون، وبعضها وجدت نفسها بجوار دول تتبنى مشروعات توسعية أو أيديولوجية أو صراعات تجعل من الإقليم منطقة اضطراب وتوتر، ومن هذا المنطلق يمكن فهم وضع دول الخليج العربية مع الجارة إيران.
الحديث عن إيران لا يتعلق فقط بدولة جارة تمتلك حدوداً ومصالح مشتركة مع دول الخليج العربي، بل يتعلق أيضاً بمشروع سياسي وأيديولوجي تشكل عام 1979، وأعاد تعريف العلاقة مع دول المنطقة من منظور يتجاوز مفهوم الدولة التقليدية إلى فكرة «تصدير الثورة» وبناء النفوذ الإقليمي عبر أدوات متعددة، سياسية وأمنية وإعلامية وأيديولوجية.
لم تكن مشكلة دول الخليج مع إيران ناتجة عن الجغرافيا فقط، بل كذلك طريقة التفكير الإيرانية التي توظف الجغرافيا داخل مشروع سياسي يرى في التوسع والنفوذ جزءاً من هويته الاستراتيجية، ولا يعني ذلك أن السياسة الإيرانية قبل 1979 كانت خالية من النزعات التوسعية والخلافات، غير أن «الثورة» أضافت بعداً أيديولوجياً أكثر حدة وتأثيراً.
في الجغرافيا السياسية، تُطرح التساؤلات: هل تستسلم الدول لظروف الجغرافيا؟ وهل يمكن لجار صعب أن يتحول لقدر يعطل التنمية ويصادر مستقبل الدول المجاورة له؟
تقدم التجربة الخليجية عموماً، والإماراتية خصوصاً، إجابات لهذه التساؤلات، فقد وقعت الإمارات في منطقة من أكثر مناطق العالم حساسية واضطراباً، حيث شهدت خلال العقود الماضية حروباً وصراعات وأزمات متلاحقة، بدءاً من الحرب العراقية الإيرانية، مروراً بغزو الكويت، ثم الإرهاب والتطرف، وصولاً إلى الصراع الحالي.
مع ذلك، لم تتعامل الإمارات مع الجغرافيا بوصفها «لعنة سياسية»، ولم تجعل من الوضع الإقليمي سبباً للتراجع أو الانكفاء، بل اختارت طريقاً يقوم على بناء الإنسان، وتعزيز الاقتصاد، وترسيخ الاستقرار، وصناعة نموذج تنموي عالمي.
هنا، تتجلى الفكرة العميقة التي عبّر عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حين أكد أن «الدول لا تُقاس بحجمها بل بإرادتها»، فالإرادة السياسية الواعية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وتحويل الموقع الجغرافي من مصدر تهديد إلى نقطة قوة، والدول الواعية ليست التي تعيش في بيئات مثالية، بل التي تعرف كيف تدير بيئاتها المعقدة بعقلانية ورؤية استراتيجية.
الإمارات لم تدخل في معركة مع الجغرافيا، لإدراكها أن الجغرافيا ثابتة، فبينما كانت بعض الدول تنفق مواردها في الصراعات والأيديولوجيات، كانت الإمارات تستثمر في التعليم، والبنية التحتية، والاقتصاد، والذكاء الاصطناعي، وجودة الحياة.
في الحقيقة، مفهوم «الجار السياسي» يحتاج إلى قراءة أعمق من المعنى الجغرافي، فالجار في الثقافة الإنسانية ليس مجرد حدود متجاورة، بل علاقة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم الإضرار بالآخرين، ولهذا جاءت كل القيم الدينية والحضارية مؤكدة على حقوق الجار وأهمية حسن الجوار، لكن العلاقات الدولية تكشف أحياناً أن بعض الدول لا تنظر إلى جيرانها كشركاء استقرار، بل كساحات وأدوات ضغط ومناطق نفوذ سياسي وأيديولوجي.
من هنا، فإن المعضلة ليست في وجود إيران كدولة جارة ذات تاريخ وحضارة وثقل إقليمي، بل في طبيعة السلوك السياسي وعقيدة النظام الذي يجعل من الجوار أداة للتأثير والاختراق بدلاً من التعاون والتنمية، فالجغرافيا تمنحك الجار، لكنها لا تمنحه الحق في العبث باستقرارك أو التدخل في شؤونك الداخلية أو تصدير أزماته إليك.
لذلك، الجوار الإيراني سيبقى قدراً جغرافياً ثابتاً، لكن أثره في مستقبل الخليج ليس قدراً محتوماً، فدول الخليج تمتلك الإرادة والرؤية وقادرة على حماية استقرارها، وبناء نموذجها، وتحويل الجغرافيا من عبء إلى اختبار لقوة الدولة، لذا المستقبل يتطلب بناء منظومة توازن جديدة، تجمع بين الردع والحوار، وبين حماية السيادة وفتح مسارات المصالح، وبين اليقظة الأمنية والمرونة الدبلوماسية.
مقال للكاتب: عبدالعزيز سلطان المعمري في صحيفة البيان.



