الحج واستدامة الأثر

ناصر سالم سيف الدرعي
عاد حجاج دولة الإمارات العربية المتحدة إلى أرض الوطن بعد أن منّ الله عليهم بأداء فريضة الحج لهذا العام، في مشهد تملؤه مشاعر الحمد لله تعالى على نعمة التوفيق لإتمام هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، وتتجدد معه مشاعر الامتنان لقيادتنا الرشيدة لما حظي به الحجاج من رعاية وعناية وخدمات متكاملة أسهمت في أداء المناسك في أجواء من الطمأنينة واليسر والتنظيم. كما يتجدد شكر الله تعالى على ما هيأ من أسباب التوفيق، وتقدير الجهود الكبيرة التي بذلها مكتب شؤون حجاج الإمارات في خدمة الحجاج ورعايتهم ومتابعة شؤونهم منذ مغادرتهم وحتى عودتهم سالمين إلى وطنهم وأهليهم.
غير أن فريضة الحج لا تقتصر على كونها شعيرة زمنية تنتهي بانقضاء المناسك، بل تُعدّ مدرسة إيمانية وتربوية متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الإنسان وسلوكه وعلاقته بربه وبالمجتمع. ومن هنا فإن الحج لا ينفصل عن الحديث عن آثاره الممتدة في حياة الحاج بعد عودته، لأن قيمة هذه الفريضة العظيمة تظهر فيما تُحدثه من إصلاح للنفس، وتهذيب للأخلاق، وترسيخ لمعاني الاستقامة والرحمة والاعتدال.
وقد ربط القرآن الكريم بين أداء الحج وسمو الأخلاق ورفعة السلوك، فقال تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: 197]، وهي آية تؤكد أن الحج ليس مجرد انتقال بين المشاعر وأداء للمناسك، بل هو تربيةٌ للنفس على الانضباط، وتعويدٌ لها على الصبر، وحسن المعاملة، واحترام الآخر، فبيّن أن الغاية الكبرى من هذه الرحلة المباركة هي ترسيخ التقوى بوصفها قيمة راسخة تستمر آثارها بالابتعاد عن مساوئ الشيم.
ولهذا كان العلماء يعدّون بقاء أثر الحج في حياة المسلم من علامات القبول. قال الحسن البصري، رحمه الله: «علامة الحج المبرور أن يرجع العبد زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة»، في إشارة إلى أن حقيقة الحج تتجلى في التحول الإيجابي الذي ينعكس على أخلاق الإنسان وسلوكه وعلاقاته.
لذلك فإن حياة الحاج بعد أداء الفريضة ينبغي أن تكون امتداداً واعياً لروح الحج ومقاصده الكبرى من خلال المحافظة على الطاعات، وتعزيز قيم الرحمة والتسامح وتجاوز الزلات، وإصلاح العلاقات، وصيانة اللسان من رذيل الكلمات، فالحج في حقيقته ليس نهاية رحلة تعبدية أو انقضاء فريضة، بل بداية مشروع أخلاقي وإنساني متجدد، يُعيد بناء الإنسان على أساس التقوى والخير والسلام، ويجعل من نفحاته المباركة أثراً مستداماً على الدوام.
باحث في العلوم الإنسانية
مقال للكاتب: ناصر سالم سيف الدرعي في صحيفة الإمارات اليوم.



