
تتسارع الأحداث في منطقتنا، وتتبدل صورها من يوم إلى آخر. وفي مثل هذه اللحظات لا تحتاج الدول إلى الانفعال أو الجمود، بل إلى بوصلة ثابتة. وقد ترك لنا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منهجاً واضحاً في إدارة الأوقات الصعبة: نحمي الوطن، ونصون سيادته، ونفتح باب الحوار والدبلوماسية، ولا نغلق طريق السلام والتسامح.
كان المؤسس الشيخ زايد يعرف أن القوة لا تعني الاندفاع، وأن الحكمة لا تعني التراجع. قال: «إن الوطن غالٍ وعطوف، ويجب أن نبذل كل ما نستطيع من أجل رفعته والحفاظ عليه». تبدأ الاستراتيجية من هنا. أمن الدولة أولاً، وسلامة شعبها ومكتسباتها مسؤولية لا تقبل المساومة. ثم يأتي القرار الهادئ، المبني على قراءة الواقع، لا على ضجيج اللحظة.
وكان أمن الخليج في فكره مسؤولية مشتركة. قال: «إن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ستعطي الأولوية في المرحلة المقبلة لكل ما يعزز أمنها واستقرارها». فاستقرار أي دولة خليجية يساند استقرار المنطقة كلها، والتنسيق بين الأشقاء يرفع القدرة على مواجهة المخاطر، ويمنع الأحداث من فرض مساراتها علينا.
وفي إدارة الخلاف، وضع المؤسس قاعدة تصلح لكل زمن: «إن أسلوب الحوار يؤدي إلى التوصل إلى أنسب الحلول المجدية». لم يكن الحوار عنده عبارة دبلوماسية. كان أداة لحماية المصالح، ومنع اتساع الخلاف، وإبقاء الطريق مفتوحاً أمام الحل. ولهذا قال أيضاً: «الحوار المباشر هو الأسلوب الأمثل؛ لأنه يعمّق التفاهم. علينا أن نجلس سوياً، ونقلّب الأمور ونناقشها بهدوء، وسوف نصل بهذه اللقاءات إلى أفضل النتائج».
هذا النهج نراه اليوم في سياسة دولة الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله. فالدولة تتمسك بالحوار وخفض التصعيد، وتحترم سيادة الدول، وتدعو إلى معالجة الأزمات بالوسائل الدبلوماسية. وفي الوقت نفسه، تحمي أمنها وأرضها ومصالحها، وتتعامل مع التحديات بثبات ومسؤولية. إنها معادلة زايد نفسها: سلام من موقع القوة، وحكمة لا تتخلى عن الحق.
وكان المؤسس حريصاً على اتساع دائرة الصداقة، فقال: «نحرص دائماً على أن تكون علاقاتنا مع كل الدول علاقات صداقة وود». لا يعني ذلك تجاهل الأخطار، بل منع الخصومة من أن تصبح قدراً دائماً. فالعلاقات تُدار بالعقل، والمواقف تُبنى على المصلحة الوطنية، والاختلاف لا يمنع التواصل.
أحداث المنطقة أثبتت بأن الإمارات لا تعبر العواصف بكثرة الكلام. تعبرها بوحدة الصف، ووضوح القرار، وجاهزية المؤسسات، وثقة الشعب بقيادته. وهذا ما رسّخه زايد، وما تمضي عليه القيادة الرشيدة.
تعلّمنا من زايد أن نحفظ وطننا، وألا نسمح للخوف أن يقودنا، ولا للغضب أن يقرر عنا. نختار السلام، ونتمسك بالحوار، ونبقى مستعدين لحماية الإمارات بالردع والاستعداد والجاهزية. فالحكمة في فكر زايد لم تكن موقفاً عابراً، بل استراتيجية دولة.
مقال للكاتب: الدكتور سيف الجابري في صحيفة البيان.



