
هناك قرارات سياسية تنتهي بانتهاء ظروفها، وهناك قرارات تتحول إلى تاريخ. وأما في الإمارات، فإن قرار الاتحاد لم يكن مجرد حدث في عام 1971، بل كان مشروع مستقبل ما زال يتجدد حتى هذه اللحظة.
في الثامن عشر من يوليو، لا نستذكر اجتماعاً تاريخياً فحسب، بل نستحضر شجاعة رجال قرروا أن ينظروا إلى ما بعد حدود إماراتهم، وأن يؤمنوا بأن القوة لا تُبنى بالتفرق، بل بالوحدة. كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وإخوانه الحكام، يملكون رؤية سبقت زمنها، ففي وقت كانت المنطقة تعيش تحولات معقدة، كانوا يؤسسون دولة تقوم على الثقة والتكامل، لا على المصالح المؤقتة.
ما يلفت النظر اليوم أن الاتحاد لم يكن مشروعاً سياسياً فقط، بل كان مشروعاً إنسانياً، فمنذ اللحظة الأولى لم يكن السؤال: ماذا سنبني؟ بل: من سنبني؟ ولهذا جاء الإنسان الإماراتي في مقدمة الأولويات، بالتعليم، والصحة، والسكن، والفرص، حتى أصبحت التنمية في الإمارات تقاس بما تقدمه للإنسان قبل أن تقاس بما تشيده من مبانٍ أو بنى تحتية.
ولهذا كلما شاهدنا إنجازاً إماراتياً في الفضاء، أو الاقتصاد، أو الذكاء الاصطناعي، أو العمل الإنساني، فإننا في الحقيقة نرى الامتداد الطبيعي لذلك العهد الذي وُقع قبل أكثر من خمسة عقود، فالنجاحات الحالية ليست صدفة، بل نتيجة رؤية تأسست منذ البداية على أن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان.
وعندما اعتمدت القيادة الرشيدة «يوم عهد الاتحاد» مناسبة وطنية، فإن الرسالة كانت واضحة: الاتحاد ليس ذكرى نحتفل بها مرة كل عام، بل عهد يتجدد بين القيادة والشعب، ومسؤولية يحملها كل جيل تجاه وطنه، فالأوطان لا يحافظ عليها التاريخ وحده، بل يحافظ عليها أبناؤها عندما يدركون قيمة ما ورثوه من الآباء المؤسسين.
ربما كان أسهل ما يمكن أن يفعله جيل اليوم هو أن يفتخر بما تحقق، لكن الأهم هو أن يدرك أن هذا الإنجاز لم يولد من وفرة الموارد، بل من وفرة الحكمة، فلو لم يكن هناك زايد وإخوانه، برؤيتهم وبُعد نظرهم وإيمانهم بالوحدة، لما أصبحت الإمارات اليوم نموذجاً عالمياً في التنمية والاستقرار وصناعة المستقبل.
إن عهد الاتحاد ليس صفحة في كتاب التاريخ، بل عقد وطني مستمر، يذكرنا بأن أعظم ما تركه المؤسسون ليس الأبراج ولا الطرق ولا المدن، وإنما فكرة خالدة مفادها أن الاتحاد هو أعظم إنجاز، وأن الإنسان سيبقى دائماً أعظم استثمار، وأن المستقبل يبدأ دائماً من قرار شجاع يؤمن بالوطن قبل كل شيء.
مقال للكاتب: علي الزوهري في صحيفة البيان.



