
خلال نهاية الأسبوع شاهدت وثائقي «Turning Point: The Bomb and the Cold War» على نتفليكس، وتوقفت طويلاً عند مشهد عرفت تفاصيله للمرة الأولى:
بعد أن دمرت قنبلتان ذريتان هيروشيما وناغازاكي، خاطب الإمبراطور هيروهيتو شعبه عبر الراديو بصوت يسمعونه للمرة الأولى في التاريخ، معلناً قبول شروط الحلفاء، ومقراً بهزيمة اليابان وإنهاء الحرب.
كان ذلك من أصعب القرارات التي اتخذتها دولة في القرن العشرين، ومن أذكاها أيضاً.. احتاجت اليابان بعده 23 سنة فقط لتتحول من بلد مدمر إلى ثالث أكبر اقتصاد في العالم، فالاستسلام الذكي هو الذي صنع المعجزة.
تذكرت ذلك مساء الاثنين وأنا أتابع وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، يعلن «عملية النبذ الاقتصادي»، مرحلة جديدة من الحرب الاقتصادية على إيران، والمفارقة أنه استدعى هو الآخر الحرب العالمية الثانية، وشبه إطلاق الحملة بيوم الإنزال في النورماندي، معلناً بدء هجوم يستهدف الروابط المالية الإيرانية حول العالم.
في يوم واحد أدرجت واشنطن نحو ستين فرداً وكياناً وسفينة على قوائم العقوبات، ووسعت نطاق العقوبات الثانوية إلى قطاعات جديدة، ووضعت الدول والمصارف والشركات أمام معادلة قاسية: من يواصل التعامل مع طهران يخاطر بفقدان الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.
إيران اليوم أمام مفترق صنعته خياراتها، فمنذ اندلاع الحرب في فبراير وسعت المواجهة إلى دول الخليج، وأطلقت الصواريخ والمسيرات على منشآت حيوية ومدن ومطارات، وحولت مضيق هرمز إلى سلاح، واشترطت الحصول على إذن مسبق لعبور السفن.
وأدرجت عشرات الناقلات على قائمة سوداء، واستهدفت أصولاً بحرية لدول اعتمدت عليها لعقود في تجارتها واتصالها بالاقتصاد العالمي، ثم انتهت مهلة التسوية مع واشنطن من دون اتفاق. الدولة التي استخدمت هرمز لرفع كلفة الحرب على العالم، تواجه اليوم استراتيجية أمريكية تستهدف رفع ثمن استمرارها في المواجهة.
وهذا ما يميز الحملة الجديدة عن حزم العقوبات المتعاقبة التي عرفتها إيران طوال العقود الماضية، فطهران بنت عبر سنوات منظومة كاملة للالتفاف عليها، من أسطول الظل وشركات الواجهة إلى الوسطاء وشبكات الدفع البديلة، وحولت العقوبات نفسها إلى اقتصاد موازٍ ازدهرت داخله مؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري..
واشنطن تستهدف اليوم هذه الشبكة من خارج إيران، عبر نقل كلفة التعامل مع طهران إلى البنك الذي يمول، والمصفاة التي تشتري، والشركة التي تشحن، والدولة التي توفر ممراً للتجارة.
الصين تمثل الاختبار الأكبر باعتبارها المشتري الرئيس للنفط الإيراني، والعراق وتركيا يمثلان منفذين تجاريين مهمين، ويتزايد الحديث عن تشديد الضغط على المسارات البرية مع تضييق المنافذ البحرية والمالية.
تجارب الدول الكبرى تظهر أن القوة يمكن أن يعاد تعريفها بالكامل خلال جيل واحد، اليابان خرجت من دمار الحرب لتصبح قوة صناعية وتكنولوجية عالمية، وألمانيا الغربية أعادت بناء اقتصادها حتى تحولت إلى المحرك الصناعي لأوروبا، وكوريا الجنوبية انتقلت من دولة أنهكتها الحرب والفقر إلى قوة تكنولوجية وصناعية عالمية.
وفيتنام خرجت من عقود من القتال لتصبح مركزاً رئيساً للتصنيع والتصدير في آسيا، والمشترك بين هذه التجارب أن التحول بدأ حين أصبحت التنمية نفسها مشروعاً للقوة.
وإيران تملك مقومات هائلة لبناء قوة من هذا النوع، أكثر من تسعين مليون نسمة، وثاني أكبر احتياطي للغاز ورابع أكبر احتياطي للنفط في العالم، وموقعاً استثنائياً بين الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز وجنوب آسيا، وقاعدة صناعية وجامعية، وكفاءات إيرانية أثبتت نجاحها في أكبر اقتصادات العالم..
مقومات كان يمكن أن تجعل العالم يحتاج إلى اقتصاد إيران وتقنياتها وطاقتها، فيما استهلكت عقود من تمويل الوكلاء والبرامج العسكرية وشبكات الالتفاف جزءاً كبيراً من مواردها، حتى دخلت البلاد الحرب الحالية بعملة منهكة وتضخم مرتفع واقتصاد يعتمد بدرجة متزايدة على منافذ خارج النظام المالي والتجاري التقليدي، استمرار النهج نفسه يعني مزيداً من العزلة واستنزاف الموارد وإغلاق المنافذ واحداً بعد آخر.
اليابان عام 1945 أدركت أن الحفاظ على الدولة يتطلب إنهاء الطريق الذي أوصلها إلى الدمار، ثم أعادت تعريف القوة من السيطرة العسكرية إلى الصناعة والتكنولوجيا والتجارة.. إيران أمام ظروف مختلفة ومسار صنعته خياراتها الخاصة، لكنها تقف أمام حقيقة مشابهة: أحياناً يكون الاستسلام الذكي أول خطوة في طريق انتصار أكبر.
مقال للكاتبة: نوفر رمول في صحيفة البيان.



