مقالات

نبات أحمد.. سلطانة العود في شمال اليمن

د . عبدالله المدني

نبات أحمد.. سلطانة العود في شمال اليمن

يشير الباحث اليمني محمد حسين العمري في بحث له عن تاريخ الغناء اليمني إلى أن اليمن عرف الغناء والآلات الموسيقية منذ حضارات ما قبل الميلاد، مستشهداً بنقوش كثيرة لآلة العود تم اكتشافها في أكثر من موقع يمني، وبما ذكره المسعودي (ت: 956م) في «مروج الذهب» من أن الغناء في اليمن يرجع إلى عهد عاد.

وبما خلص إلى قوله المستشرق البريطاني «هنري فارمر» من أن العرب في ممالك جنوب الجزيرة العربية بلغوا المراتب السامية التي بلغها الساميون قبلهم في مجال الموسيقى.

ويستطرد الباحث ليؤكد أن الموسيقى العربية بدأت تزدهر وتنمو في مناطق ثلاث: سوريا والعراق وغرب الجزيرة العربية، قادمة من جنوب الجزيرة، وأن المصادر التي تؤرخ للموسيقى العربية لا تخلو من ذكر اليمن ودور أبنائها في صناعتها.

ومما ذكره الباحث أيضاً أن أول من غنّى قبل الإسلام وبعد ظهور الإسلام كانوا من اليمن وحضرموت، مشيراً إلى «الأصفهاني» وإلى «طويس» الذي كان أول من أدخل الإيقاع إلى الغناء العربي.

وطبقاً للباحث فإن أعلام الموسيقى في العهدين الأموي والعباسي مثل «إسحاق الموصلي» و«زرياب» ساروا على درب اليمني طويس وأخذوا منه وطوروه وأشاعوه ثم نقلوه إلى الأندلس، فظهرت الموشحات، «التي هي بالأصل من اليمن، إذ إن جذور كلمات الموشح وتراكيبه ومذاهبه تشبه الأصل اليمني.

وقد رأى ذلك الكثير من الباحثين مثل الرفاعي في كتابه «الحميني الحلقة المفقودة في امتداد عربية الموشح الأندلسي»، ومن قبله المؤرخ محمد عبده غانم» حسب قوله.

غير أن الظروف الاجتماعية المحافظة في اليمن، وخصوصاً في شماله، تسببت في الكثير من المعوقات أمام انتشار الأغنية اليمنية وتطورها لمدد طويلة، فكان الحل عند محبي الغناء والطرب ابتداء.

كما يقول الباحث اليمني المتخصص في الفنون صهيب الأغبري في بحث له بعنوان «كفاح الأطراب في رحلة الأغنية اليمنية»، هو اللجوء إلى غناء الشعر الحكمي القادم من خارج اليمن والخالي من الخصوصية المحلية.

أو بث اللواعج والأشواق وعبارات الهوى والغزل العفيف من خلال الشعر الصوفي. وهكذا «شدا مطربو المجالس الضيقة بكلمات الفقهاء والأولياء، من شعر البرعي إلى ابن الفارض وابن علوان وابن عربي، وغيرهم ممن تحدثت كلماتهم برموز الحب الإلهي عن العشق البشري».

وبمرور الزمن حدث أن اهتدى المغنون إلى الزجل الشعري العامّي، فوجدوه أكثر حرية من الفصيح، لجهة التحليق في فضاءات خارج إطار أحكام التدين واللغة.

وسموه الشعر الحميني الذي تميز بوضوح أكبر لجهة المعاني والمشاعر وتجسيد أقوى للفكر اليمني الشعبي، ناهيك عن سماحه بالتنويع اللحني والخروج على رتابة الألحان الصنعانية، غير أن الجو القبلي المحافظ ظل طاغياً، الأمر الذي أجبر اليمنيين على ممارسة الفن سراً وسط جمهور قليل، وبالتالي ظلت الأغنية اليمنية طويلاً حبيسة في نطاق ضيق، وبعيدة عن الأذن العربية.

وإذا كان هذا هو الحال مع غناء الرجال في شمال اليمن قديماً حتى عهد الإمامة، الذي شهد استثناءات بسيطة ومقيدة، فما بالك بغناء النساء. لا شك أن معاناة نساء اليمن مع الغناء كانت أشد ثقلاً على أكثر من جبهة، فحتى الشعر الحميني ورد كله على لسان الرجل، دون المرأة، دعك من غنائه بصوت أنثى يمنية.

الانفراج حدث رويداً رويداً بعد سنوات عدة من تأسيس النظام الجمهوري سنة 1962، حيث سمحت الظروف الجديدة بظهور عدد من الأسماء النسائية التي امتهنت الغناء علناً، بل ظهرت على المسارح وفي الحفلات العامة.

وسجلت إبداعاتها في إذاعة صنعاء أو على أسطوانات لدى شركات التسجيل الفنية في إثيوبيا وجيبوتي أو في جنوب اليمن الذي كانت أوضاعه الاجتماعية أكثر انفتاحاً واستعداداً لاحتضان المواهب من الجنسين، فعلى حين كان تداول التسجيلات الغنائية وأدوات الطرب.

وغناء النساء محظوراً في شمال اليمن حتى مطلع ستينيات القرن العشرين، كان جنوب اليمن، لا سيما جوهرته عدن، تزدحم بعشرات شركات التسجيل الفنية الأهلية التي كانت تجلب الأسطوانات من إنجلترا وتتبنى مواهب الفنانين وتسجل لهم، علاوة على انتشار محلات بيع الآلات الموسيقية ومعاهد تعليم الموسيقى وإقامة الحفلات والتجمعات الغنائية بحرية تامة.

ما سبق هو مجرد مدخل للحديث عن «نبات أحمد» اليمنية التي كافحت باسم بنات جيلها في سبيل الفن، وقامت بدور ملحمي ليس لتمكين نفسها من اقتحام مجال الغناء فقط، وإنما أيضاً لتمكين المرأة اليمنية عموماً من التحرر من قيود مجتمعها القبلي المحرم للفن.

وتميزت عن غيرها من الأصوات النسائية اليمنية بجرأتها ودفاعها عن الحق، ناهيك عن أنها مثلت ظاهرة فنية واجتماعية كثيفة السبل والخيارات، وجامعة لمواهب الغناء والتأليف والعزف على سيد آلات الطرب الشرقي (العود)، طبقاً لما كتبه الشاعر والأكاديمي اليمني الدكتور هاني الصلوي في تقديمه لكتاب «نبات أحمد.. سلطانة العود»، الذي أعده الكاتب «حمدي الجمعاني» عن سيرتها ومشوارها وكفاحها، وأصدرته مؤسسة أروقة المصرية سنة 2022.

ولدت نبات في عام 1955 بمدينة تعز لأسرة من منطقة ذمار.

حيث انتقل والدها أحمد العماري مع أسرته من ذمار إلى تعز للعمل والإقامة، وهناك عاشت مع والديها وأختها «روضة أحمد» التي تكبرها سناً في كنف أب محب للفن، وداعم لمواهبهما الغنائية، لكن المشكلة التي واجهتهما كانت القبيلة التي تنتمي إليها الأسرة، والتي رفضت رفضاً قاطعاً أن تغنيا، على اعتبار أن الغناء عار، وهو ما دعا عمهما إلى مقاطعة الأسرة.

وفي هذا السياق قالت نبات في حديثها إلى مجلة «المجلة» (30 أبريل 2025) أن عمها ظل مقاطعاً والدها لهذا السبب، حتى بعد أن غيرت القبيلة موقفها منها في أعقاب شهرتها وحب الناس لها.

عشقت نبات (أو نباتة كما يسميها البعض) الغناء منذ نعومة أظفارها، فكانت تغني لزميلاتها في المدرسة، بل كان ذلك هو الوقت الوحيد التي تستمتع فيه خلال وجودها في المدرسة التي لم تكن تحبها.

وقتها، أي زمن المملكة المتوكلية، لم تكن هناك آلات موسيقية، ولا منصات أو فعاليات غنائية لإبراز المواهب، الأمر الذي اضطرت معه نبات للغناء بالتطبيل والنقر على تنكة صفيح.

وحينما كانت في سن الثانية عشرة، أي بعد زوال حكم الإمامة وتأسيس الجمهورية وبدء تقبل أهل شمال اليمن للفن والفنانين، وجدت الطريق أمامها ممهداً لخوض تجربة الغناء علناً.

وعلى الرغم من أن أختها «روضة» رفضت ذلك بحجة أن صوتها ليس جميلاً كصوتها وسيخجل الأسرة أمام الناس، إلا أن والدها أصر على ألا تذهب روضة للغناء إلا وبصحبتها أختها نبات.

في هذه الأثناء ظهر في حياتها الفنان محمد حمود العوامي الذي تعهد برعايتها فنياً وآمن بموهبتها، ووعدها بأن يعزف لها العود وهي تغني، وقدمها للجمهور في حفل غنائي أقيم على مسرح قصر سبأ بتعز في بداية السبعينيات بمشاركة فنانين كبار مثل أيوب طارش وعلي عبدالله السمة ومحمد يحيى قلالة وسالم عبدالله سالم، فغنت لأول مرة أمام الجمهور تجربتها الغنائية الأولى متمثلة في أغنية «فيني وفي روحي وفي عيوني»، التي صفق لها الجمهور طويلاً. تقول نبات إنها شعرت لحظتئذٍ بأنها انتصرت وولدت من جديد.

تزوجت نبات لأول مرة من الفنان اليمني الراحل أحمد صالح الأبرش، فعلمها العزف على العود، في وقت كان بعض الفنانين الذكور لا يجيدون العزف، لتصبح أولى اليمنيات اللواتي عزفن العود، ثم راح يلحن لها ويكتب كلمات أغانيها، بل غنى معها عدة دويتوهات، جعلتهما مشهورين في كل أنحاء اليمن بشطريه، بل قاما بتسجيل تلك الأعمال في جدة.

حيث عاش الأبرش لبعض الوقت. ولخصت نبات مشكلتها مع زوجها في أنه كان غيوراً جداً، ولا يتحمل نظرات الناس لها، خصوصاً وأنها كانت تغني وقتذاك دون حجاب، وقد بلغت غيرته حداً جعله يغلق باب المنزل عليها وقت خروجه للعمل.

توفي الأبرش في حادث سير، ففقدت زوجاً ومعلماً ورفيق درب، لكنها واصلت الغناء والتألق بمفردها وراح نجمها يلمع أكثر وأكثر، من خلال تقديم عشرات الأغاني التي بلغ عددها 120 ألبوماً على مدى مشوارها الذي استمر نحو خمسين عاماً.

ومن أهم أغانيها التي أطربت الجمهور اليمني في الداخل وفي المهجر: «حبيبي لا تعذبني»، «سلام يا أحباب»، «إنت حبك في فؤادي»، «زهرة الربيع»، «بعز الليل أنا أمسيت سهران»، «في حفظ ربي يا مسافر حريب»، «وسط قلبي إنت يا باهي الجبين»، «قد نسيتك من زمان»، «سلام يا واقفة»، «يا ريم وادي بناء»، «يا جوهرة قلبي»، «عاد صغير يربونه»، «محل ما يعجبك روح»، وغيرها.

هذه الأغاني جعلتها مشهورة ومحبوبة ومطلوبة في أعراس وحفلات مسؤولي الدولة والعائلات الكبيرة إلى حد قيل معه إن العروس التي تزفها نبات بالزفة الصنعانية لا بد أن تكون محظوظة.

وبسبب رواج اسمها في عالم الفن والأضواء، دعاها اليمنيون في المهجر الفرنسي لإحياء حفلة لهم في باريس، وهناك التقتها صحافية فرنسية وأجرت معها حواراً، والتقطت لها صورة متداولة وهي تجلس على كرسي بشعرها القصير، ممسكة بالعود. كما أن شهرتها قادتها إلى العديد من المشاركات مع كبار الفنانين اليمنيين في حفلات أقيمت في الكويت والبحرين والسعودية وجيبوتي.

وإذا كانت نبات، التي أراد لها أهلها أن تصبح طبيبة، تدين بالفضل لانطلاقها في عالم الغناء لمعلمها الفنان محمد حمود العوامي، ولزوجها أحمد صالح الأبرش، فإنها تدين بالفضل أيضاً لعهد الجمهورية الذي أعطى للفن اهتماماً وتشجيعاً كبيراً.

تزوجت نبات للمرة الثانية من ابن شيخ قبلي من تهامة يدعى حيدر غالب عبدالله داوود، وأنجبت له ابناً وابنة، لكن هذه الزيجة كانت وبالاً عليها، لأن الزوج الجديد لم يسمح لها بالغناء إلا في الحفلات النسائية الضيقة، وكان ذلك سبباً في انقطاعها عن الظهور العلني لمدة 18 عاماً، ما أضاع أمامها فرصة مواصلة تألقها والإضافة إلى ما بدأته.

وفي عام 2003 توقفت نبات عن الغناء وأسدلت الستار على مشوارها المضيء بسبب المرض الذي أثر في حبالها الصوتية، وأيضاً بسبب تراجع أوضاع الفن عموماً، ثم هبت العواصف السياسية والحروب الأهلية على اليمن.

فأجبرتها على الرحيل إلى المهجر في مصر، تاركة خلفها أجمل الذكريات وأرشيفاً من الأغاني القديمة، وكل ما استثمرت فيه، وقائلة بحسرة: «لقد ذهب كل شيء جميل، ورحلنا.. كان زمناً جميلاً ليته يعود».

والمفارقة هنا هي أن من كانت تغني لمواطنيها في المهاجر البعيدة صارت هي نفسها في المهجر، تعيش على ما يدره لها عقاران في صنعاء.

ونختتم بالإشارة إلى أن كل الذين كتبوا عنها أجمعوا على أنها كانت امرأة قوية وذكية ومقدامة، وصاحبة شخصية اجتماعية مهيبة تحظى بالاحترام.

ولعل من دلائل شجاعتها أنها كانت ذات مرة ضمن قافلة فنية ذاهبة إلى ميناء الحديدة لإحياء حفلة موسيقية يذهب ريعها للفقراء، لكن محافظ الحديدة منع النساء من الغناء في الحفل، فتصدت له نبات وأقسمت أنهن سوف يصعدن على المسرح، ثم ذهبت إلى صنعاء وعادت بأوامر عليا للسماح لها ولزميلاتها بالغناء رغم أنف المحافظ المتشدد.

الكاتب دكتور عبدالله المدني من صحيفة البيان الاماراتية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى