
في خضم الأزمة الراهنة، انشغل الإعلام العالمي والإقليمي، ومعه منصات التواصل، بزاوية واحدة تكاد تطغى على كل ما عداها: النفط والغاز. فالعناوين تتحدث عن أسعار الطاقة، وعن الناقلات المحتجزة، وعن مستقبل الإمدادات، وكأن العالم لا يتحرك إلا على إيقاع البرميل. هذا التركيز مفهوم من زاوية اقتصادية وسياسية، لكنه يحجب جانباً أخطر وأعمق: أن الأزمة لا تهدد الطاقة وحدها، بل تهدد الغذاء، وأن الخطر الحقيقي قد يبدأ من التربة قبل أن يظهر في الأسواق. فحين يتوقف مضيق بحجم هرمز، لا تتعطل حركة السفن فقط، بل تتعطل دورة الحياة الزراعية التي تعتمد على الأسمدة والغاز والكبريت، وهي عناصر تمر عبر هذا الشريان البحري الحيوي.
لقد نبّهني أحد الأساتذة المتخصصين في علوم التربة والزراعة في جامعة Reading البريطانية – حيث يواصل ابني دراسته للدكتوراه – إلى أن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة جيوسياسية، بل أزمة “كيمياء تربة” ستنعكس على نوعية المحاصيل في العالم كله. فالمضيق الذي يمر عبره نحو 30% من تجارة الأسمدة العالمية، و50% من الكبريت المستخدم في صناعة الفوسفات، و20% من الغاز الطبيعي المُسال الضروري لإنتاج الأمونيا، يشكّل العمود الفقري للإنتاج الزراعي العالمي. وعندما يتعطل هذا العمود، تبدأ التربة نفسها بفقدان توازنها الكيميائي خلال أسابيع قليلة، وهو ما ينعكس مباشرة على المحاصيل وجودتها.
التربة، التي تبدو ثابتة ومستقرة، هي في الحقيقة نظام حيّ يعتمد على توازن دقيق بين النيتروجين والفوسفات والبوتاسيوم. أي خلل في هذا التوازن ينعكس على نمو النباتات وقدرتها على مقاومة الجفاف والملوحة. نقص النيتروجين يضعف نمو الحبوب، ونقص الفوسفات يحدّ من قوة الجذور، ونقص البوتاسيوم يقلل من قدرة النباتات على مواجهة الإجهاد الحراري. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن انخفاض الأسمدة بنسبة 25% يؤدي إلى تراجع جودة القمح بنسبة تصل إلى 20%، وإلى انخفاض إنتاجية الذرة بنحو 10–15%. وهذا يعني أن الأزمة لا تهدد الكميات فقط، بل تهدد نوعية الغذاء ذاته، وهو ما يجعلها أزمة بنيوية لا ظرفية.
التاريخ الحديث يقدم لنا نماذج لأزمات غذائية كبرى، لكنها لم تجمع عناصر الخطر كما تفعل أزمة هرمز اليوم. إغلاق قناة السويس بين 1967 و1975 عطّل التجارة العالمية ورفع تكاليف الشحن، لكنه لم يمسّ مدخلات الإنتاج الزراعي. أزمة النفط عام 1973 رفعت أسعار الطاقة وأثّرت في كلفة الأسمدة، لكنها لم تترافق مع حصار بحري. الحرب الروسية–الأوكرانية في 2022 عطّلت صادرات القمح والزيوت، لكنها لم تضرب التربة نفسها. أما أزمة الأسمدة في 2021–2022 فقد أظهرت كيف يمكن لارتفاع أسعار الغاز أن يخلق “مجاعة صامتة”، لكنها بقيت أزمة اقتصادية لا جيوسياسية.
أزمة هرمز مختلفة لأنها تجمع بين ثلاثة عناصر لم تجتمع من قبل: حصار ممر بحري حيوي، وانقطاع مدخلات الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الطاقة والنقل. هذه “العاصفة الثلاثية” تضرب سلسلة الغذاء من بدايتها: التربة، ثم المزارع، ثم المحاصيل، ثم الأسواق، ثم الدول الأكثر هشاشة. الأمم المتحدة حذّرت بالفعل من دخول 45 مليون شخص إضافي إلى دائرة الجوع إذا استمرت الأزمة، وهو رقم يعكس حجم الخطر الذي يهدد الأمن الغذائي العالمي.
المزارعون حول العالم بدأوا بالفعل في تغيير أنماط الزراعة. فمع ارتفاع أسعار الأسمدة أو انقطاعها، يتجهون إلى محاصيل أقل استهلاكاً للمدخلات، مثل فول الصويا والشعير، على حساب القمح والذرة. هذا التحول يغيّر الخريطة الزراعية العالمية خلال موسم واحد، ويؤثر في سلاسل الإمداد الغذائية لسنوات. كما أن الدول الفقيرة، التي تعتمد على الاستيراد، تواجه مخاطر مضاعفة: ارتفاع الأسعار، وتراجع الجودة، وصعوبة الوصول إلى الأسواق.
وفي منطقتنا الخليجية، التي تستورد بين 55% و80% من غذائها، تبدو الصورة أكثر حساسية. لكن دولة الإمارات، بخبرتها الطويلة في إدارة الأزمات وبنيتها المؤسسية المتقدمة، قدّمت نموذجاً مختلفاً في التعامل مع الأمن الغذائي. فالدولة لم تنتظر الأزمات لتتحرك، بل بنت منظومة متكاملة تشمل تنويع مصادر الاستيراد، وتطوير الزراعة الذكية، والاستثمار في التقنيات الحيوية، وإنشاء مجلس الإمارات للأمن الغذائي، وتوسيع المخزون الاستراتيجي، وتعزيز الشراكات الدولية في مجالات الغذاء والمياه. هذه الرؤية الاستباقية جعلت الأمن الغذائي جزءاً من الأمن الوطني، لا مجرد ملف اقتصادي، ورسّخت قناعة بأن حماية الغذاء تبدأ من حماية التربة، وأن الاستعداد للمستقبل لا يكون بردود الفعل، بل ببناء منظومة قادرة على الصمود أمام الأزمات.
إن أزمة هرمز تذكّر العالم بأن الأمن الغذائي يبدأ من التربة، وأن أي اضطراب في الممرات البحرية أو أسواق الطاقة يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة غذاء عالمية. كما تذكّرنا بأن الاستقرار الإقليمي ليس مسألة سياسية فقط، بل مسألة تتعلق بقدرة العالم على إطعام نفسه. وفي زمن تتداخل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، وتتشابك فيه الطاقة مع الغذاء، يصبح الحفاظ على استقرار الممرات البحرية جزءاً من حماية مستقبل الغذاء العالمي. أما الإمارات، فتمضي في رؤيتها الواضحة: أمن الغذاء ليس رد فعل، بل هو مشروع دولة، واستثمار طويل الأمد في الإنسان والأرض والتقنية.
مقال للكاتب: د. عبدالله بلحيف النعيمي في صحيفة الخليج.



