مقالات

أكثر من مناوشات أقل من حرب

علي عبيد الهاملي

مناوشات

منذ أشهر والمنطقة تعيش حالة فريدة من الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران؛ لا حرب شاملة، ولا سلام يفرض نفسه على الأرض. وبين هذا وذاك وجدنا أنفسنا أمام مشهد غريب، تتبادل فيه الأطراف التهديدات والرسائل والردود المحدودة، فيما تبقى أبواب المواجهة الكبرى مواربة دون أن تغلق تماماً.

 

الأخطر هو أن هذه الحرب لم تقتصر على الطرفين الرئيسيين، وإنما امتدت شظاياها إلى دول الخليج العربية، التي وجدت نفسها في قلب العاصفة، لا على هامشها، ليس أثناء الحرب فقط، وإنما بعد وقف إطلاق النار بين الطرفين المتحاربين أيضاً.

 

فمنذ توقف الحرب ونحن نشاهد استهدافات إيرانية غاشمة متكررة باتجاه الإمارات والكويت والبحرين، بعضها بالصواريخ، وبعضها بالطائرات المسيّرة، بينما تقوم الولايات المتحدة، من وقت إلى آخر، بضربات تصفها بالدفاعية، تستهدف منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ومراكز التحكم العسكرية في بعض الجزر والمواقع الإيرانية.

وإذا كان الطرفان، الأمريكي والإيراني، يحرصان على عدم الانزلاق إلى مواجهة شاملة، فإن طبيعة الأحداث الجارية تقول شيئاً مختلفاً تماماً، فحين تطلق الصواريخ باتجاه دول ذات سيادة.

 

وحين تتحول الممرات البحرية إلى ساحات استهداف، وحين تتعرض الملاحة الدولية للخطر، فإننا نكون أمام حرب حقيقية، حتى وإن اختار البعض تسميتها مناوشات أو إجراءات دفاعية أو ردوداً محدودة.

المشكلة الكبرى أن إيران ما زالت تتعامل مع دول الخليج باعتبارها أوراق ضغط يمكن استخدامها في صراعها مع واشنطن. وكلما اشتدت الضغوط عليها، حاولت نقل المواجهة إلى محيطها الإقليمي، كأن الرسالة التي تريد إيصالها للعالم هي أن أمن الخليج مرتبط بمصالحها، وأن أي أزمة تواجهها يجب أن يشعر بها الجميع.

 

لكن هذه المعادلة لم تعد قابلة للحياة في عالم اليوم، فدول الخليج ليست ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات، ولا مجرد مواقع جغرافية تقع بين واشنطن وطهران، إنها دول مستقلة تمتلك حقها الكامل في الأمن والاستقرار وحماية شعوبها ومنشآتها الحيوية.

ومن المفارقات أن إيران ترفع باستمرار شعار حسن الجوار، بينما تكشف الوقائع الميدانية شيئاً مختلفاً، فالصواريخ لا تعزز علاقات الجوار، والطائرات المسيّرة لا تبني الثقة، واستهداف الممرات البحرية لا يصنع الاستقرار.

 

وكلما ارتفع منسوب التوتر، ازدادت الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع العملي. في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن أمن الخليج لم يعد قضية محلية تخص دول المنطقة وحدها، وإنما يرتبط بأمن الطاقة العالمي وحركة التجارة الدولية.

وهذا يفرض عليها أن تتخذ خطوات عملية لحماية أمن المنطقة، وعدم اعتبار الضربات المحدودة ضد بعض المواقع العسكرية الإيرانية، كما حدث في قشم وبندر عباس، حلاً رادعاً لتغوّل إيران على جيرانها وإرهابهم.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تبادل محدود للنيران، وإنما اختبار حقيقي لقدرة المنطقة على تجاوز مرحلة عدم اليقين التي فرضتها الصراعات الممتدة، فكل صاروخ يطلق، وكل مسيّرة تعبر السماء، وكل ناقلة تتعرض للخطر، تذكّرنا بأن الاستقرار ما زال هشاً.

 

لقد اعتادت شعوب الخليج أن تكون جسوراً للتجارة والتواصل بين الشرق والغرب، لا ميادين للمواجهات، اعتادت أن تبني المدن والموانئ ومشاريع المستقبل، لا الملاجئ والخنادق.

 

ولذلك فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى الجميع واضحة وصريحة؛ أمن الخليج ليس ورقة تفاوض، وليس ثمناً يُدفع في صراعات الآخرين، وإنما هو خط أحمر تمليه السيادة وتحميه الإرادة الوطنية.

قد تستمر حرب المسودات بين واشنطن وطهران زمناً آخر، وقد تتواصل المناوشات المتفرقة هنا وهناك، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الصواريخ، وإنما إلى مزيد من العقل، فالحروب تبدأ دائماً بمناوشات صغيرة، أما السلام فيبدأ بقرار كبير، والفرق بينهما أحياناً مجرد لحظة حكمة، قد يتأخر وصولها كثيراً، وعندما تصل هذه اللحظة تكون الخسائر أكبر مما توقع الجميع.

 

ما يحدث في المنطقة هو أكثر من مجرد مناوشات، لكنه في الوقت نفسه أقل من حرب!
مقال للكاتب: علي عبيد الهاملي في صحيفة البيان.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى