مقالات

موطني.. عهد ورثناه ووعد نجدده

موطني
خلال الأعوام الماضية، حظيت بدعوة أدبية حملت من الأناقة والرقي ما جعلها واحدة من المحطات التي أعتز بها في مسيرتي. كانت الدعوة إلى لقاء أدبي في المكتبة العريقة التي تحمل اسم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، ذلك الصرح العظيم.

 

دار الحديث يومها حول البدايات والرحلة التي قادتني إلى عالم الكتابة، وبين الأسئلة التي طُرحت كان هناك سؤال أعادني إلى سنوات بعيدة: ما أول رواية كتبتها؟ وما أول رواية نشرتها؟ بدا السؤال بسيطاً، لكنه أيقظ ذاكرة ظلت ساكنة لسنوات طويلة.

 

فالرواية الأولى التي كتبتها وُلدت وأنا في العاشرة من عمري، أما الرواية الأولى التي نشرتها فجاءت في مرحلة مختلفة من العمر والتجربة. وبين العملين مسافة زمنية طويلة.

أستعيد ذلك اليوم وكأنه مشهد محفوظ في الذاكرة. كنت أحمل بين يدي كتاباً صغيراً بلون أحمر رسمت ملامحه ببراءة الطفولة، ومضيت به إلى المكتبة كما يمضي طفل إلى موعد مع حلمه الأول. هناك كانت أمينة المكتبة؛ امرأة يفيض حضورها دفئاً وتشجيعاً. جعلتني أرى نفسي بعين مختلفة. أخذت الكتاب بين يديها، وتأملته طويلاً، ثم سألتني: «ما الذي تحملينه؟».

 

أجبتها بكل ما تملكه طفلة من فخر وبراءة: «أنا كاتبة.. وهذه روايتي».

 

ابتسمت وسألتني إن كانت تستطيع قراءتها، فوافقت فوراً، ثم طلبت منها أن تساعدني في كتابة اسمي بالخط العريض كما رأيته على أغلفة الكتب المصطفة على الرفوف. ابتسمت مجدداً وقالت: «سأضعه هنا بين كتب عمالقة الأدب، ولكن هل ستقرئين لنا شطراً منه؟».

 

فتحت الصفحات بيدين صغيرتين وقلبٍ يكاد يسبق الكلمات. لم أشعر يومها بارتباكٍ أو تردد، بل كانت الكلمات تخرج مني بثقةٍ عفوية لا يمنحها إلا صدق الشعور.

 

لا أذكر من الرواية سوى «وطني»؛ وكأنها لم تكن كلمةً كُتبت على صفحة، بل عهد ووعد سكن الوجدان منذ الطفولة، وترسّخ مع الأعوام حتى صار جزءاً من الهوية والروح. كانت كلمة صغيرة في رواية طفلة، لكنها اختزلت معنى الانتماء كله، وحملت في حروفها ما ورثناه عن الآباء والأجداد من حبٍ راسخ وولاءٍ لا يتبدل.

ولهذا لم تبقَ «وطني» مجرد كلمة، بل أصبحت الرواية الأجمل التي أعيشها كل يوم، والحكاية التي تتجدد فصولها مع كل إنجاز، وعنواناً لحياة من الحب والانتماء والوفاء، ما دامت على هذه الأرض الطيبة قلوب تنبض باسم الإمارات، وتحمل في أعماقها عهداً لا يُنكث، ووعداً لا يخبو، وولاءً راسخاً لا تزعزعه الأيام، ستبقى رايتها خفاقةً في سماء المجد، وسيظل عهدها قائماً، ووعدها باقياً، ومجدها ممتداً، لا تطفئه السنون ولا تحدّه الأزمنة، تتوارثه الأجيال كما يتوارث النور ضياءه جيلاً بعد جيل.

 

مقال للكاتبة: صبحة الراشدي في صحيفة البيان.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى