
ما تشهده ساحة كرة القدم العالمية اليوم يستوجب وقفة جادة ومسؤولة، بعيداً عن المجاملات، حتى نعرف إلى أين تتجه اللعبة، وإلى أي مدى ما زالت المنظومة الدولية تحافظ على المبادئ التي قامت عليها. فالتعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أصبح يثير كثيراً من علامات الاستفهام، في ظل مواقف تبدو متباينة، وكأن مبدأ الكيل بمكيالين أصبح حاضراً في بعض الملفات الحساسة.
فالواقع يكشف أحياناً عن مواقف مختلفة عندما تتعلق القضايا بمصالح معينة، وهو ما يفرض على الاتحادات الوطنية والقارية أن تكون أكثر يقظة وتمسكاً بحقوقها.
وقد لقي قرار رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، بعدم المضي في المقترح المثير للجدل، ترحيباً واسعاً في الأوساط الكروية الأوروبية والآسيوية، بعدما أبدى نحو مائة اتحاد وطني التحفظ عليه. فإن الحفاظ على وحدة الأسرة الكروية العالمية كان الخيار الأكثر حكمة، وهو ما يعكس أهمية التوافق قبل فرض أي قرارات مصيرية.
لقد أثبتت الأزمة الأخيرة أن وحدة الموقف بين الاتحادين الأوروبي والآسيوي كانت العامل الحاسم في إيقاف مشروع كان من شأنه أن يفتح الباب أمام انقسامات غير مسبوقة داخل كرة القدم العالمية. فالرسالة التي وصلت إلى «فيفا» كانت واضحة؛ أن مستقبل اللعبة لا يُبنى بفرض الأمر الواقع، بل بالحوار واحترام جميع الشركاء.
كما أن التجارب الأخيرة، وفي مقدمتها كأس العالم الأخيرة، كشفت أن كرة القدم لم تعد بمنأى عن المصالح والتجاذبات، وهو أمر يدعو إلى مراجعة الكثير من السياسات قبل التفكير في استضافة البطولات الكبرى.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب مزيداً من التنسيق بين الاتحادات القارية، وفي مقدمتها الاتحادان الأوروبي والآسيوي، حفاظاً على هوية اللعبة واستقلالية قرارها، ورفضاً لأي توجهات قد تجعل كرة القدم رهينة للمصالح أو الضغوط. فاللعبة التي توحد الشعوب تستحق إدارة عادلة، ورؤية تحترم الجميع، وتضع مصلحة كرة القدم فوق أي اعتبارات أخرى.
لقد أثبتت هذه الأزمة أن وحدة الصف أقوى من أي قرار، وأن تماسك الاتحادات الوطنية والقارية هو الضمان الحقيقي للحفاظ على مستقبل اللعبة، حتى تبقى كرة القدم ملكاً لجميع شعوب العالم، لا أداة لخدمة مصالح ضيقة أو أجندات عابرة… والله من وراء القصد
مقال للكاتب: محمد الجوكر في صحيفة البيان.



