مقالات

الثقة الزايدة.. ما منها فايدة

د. يوسف الشريف

الثقة الزايدة

 

 

كم هو مؤلم أن تكتشف أن الشخص الذي كنت تحرص على ألّا يُكسر.. كان هو أول من حاول كسرك. والأشد ألماً أن تكتشف أن من وقفت معه في شدته، قد يكون أول من يقف ضدك إذا تعارضت المصالح.

عندها تدرك أن المشكلة لم تكن في حسن نيتك، بل في الثقة الزائدة.

فالناس لا يُعرفون بكثرة كلماتهم، ولا بحجم ابتساماتهم، فهناك من يتقن ارتداء ثوب الأخ، ويجيد صناعة القرب، ويُكثر من عبارات الامتنان، حتى إذا جاءت لحظة الاختبار، سقط القناع وبقيت الحقيقة، فالمواقف لا تغيّر الناس، بل تكشفهم.

ولذلك، فالثقة ليست خطأ، بل ضرورة تستقيم بها الحياة، أما الثقة الزائدة فهي خطأ في التقدير. فهي التي تدفعنا إلى كشف أوراقنا مبكراً، وإلى منح المكانة لمن لم يثبت أنه أهل لها، وإلى الاعتقاد أن المعروف يضمن الوفاء، بينما الواقع يخبرنا أن بعض النفوس لا تحفظ الجميل، وإنما تستثمره حتى تنتهي حاجتها.

وأعترف أن كل من ذاق مرارة الخذلان مرّ في ذهنه سؤال لا يحب أن يعترف به: لماذا لا أصبح مثلهم؟ لماذا لا أتعلم المكر، وأتقن التمثيل، وأسبق بالغدر قبل أن أُغدر؟ لكنه سؤال يولد من الألم، لا من القناعة. فليس كل ما يخطر في النفس يصلح أن يكون منهجاً في الحياة.

الحقيقة أن الغادر قد يربح جولة، أو منصباً، أو مصلحة عابرة، لكنه يخسر شيئاً لا يُشترى ولا يُستعاد؛ يخسر احترامه لنفسه، ويعيش أسيراً لوجه لا يجرؤ على رؤيته في المرآة. أما من بقي وفياً لمبادئه، فقد يخسر أشخاصاً، لكنه لا يخسر ذاته، ومن خسر ذاته فلن تنفعه كل مكاسب الدنيا.

لذلك، لا تجعل الخذلان يسرق منك أخلاقك، ولا تسمح للغدر أن يقنعك بأن النبل سذاجة. غيّر طريقة منحك للثقة، ولا تغيّر قيمك. اختبر الناس بالمواقف قبل أن تمنحهم المساحات، واجعل للثقة درجات، كما أن للأبواب مفاتيح، فلا يُعقل أن يُفتح كل باب بالمفتاح نفسه.

وقد يكون أجمل ما تعلمته من تجارب الحياة أن الطيبة لا تحتاج إلى اعتزال، لكنها تحتاج إلى حكمة، وأن حسن الظن لا يعني تعطيل الفطنة، وأن الإنسان يستطيع أن يبقى كريم النفس، من دون أن يكون سهل الخداع.

ولهذا أردد دائماً: «الثقة الزايدة.. ما منها فايدة».

 

محامي وكاتب

مقال للكاتب: د. يوسف الشريف في صحيفة الإمارات اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى